Categories: أخبار

أزمة السفير الإيراني… اختبار للسيادة اللبنانية

انقضى يوم الأحد في 29 آذار من العام 2026، وهو اليوم الذي حدّده لبنان الرسمي كمهلة أخيرة لمغادرة السفير الإيراني محمد رضى شيباني الأراضي اللبنانية، الذي أصرّ على تحدّي قرار ترحيله بالبقاء داخل السفارة في بيروت. ومع هذا التحدّي وذاك الإصرار يمكن القول إن وجوده بالنسبة إلى لبنان الرسمي قد أصبح غير شرعي، وهو بالتالي لم يعد يتمتع بأي حصانة ديبلوماسية، ولن يستطيع بعد اليوم مغادرة حرم السفارة إلاّ إذا كانت وجهته المطار. أمّا إذا غادر السفارة، التي تُعتبر وفق اتفاق فيينا أرضًا إيرانية، فإن في استطاعة السلطات الأمنية القاء القبض عليه وترحيله كأي غريب غير حائز على إقامة شرعية داخل الأراضي اللبنانية. أمّا إذا بقي داخل حرم السفارة فإن السلطات المعنية غير قادرة على إخراجه بالقوة. وجلّ ما يستطيع لبنان فعله في هذه الحال هو لجوء وزارة الخارجية إلى الحلّ الديبلوماسي عبر الطلب من وزارة الخارجية الإيرانية إيفاد سفير جديد غير السفير شيباني باعتباره شخصًا غير مرغوب فيه. أمّا إذا رفضت الخارجية الإيرانية التجاوب مع الطلب اللبناني، وهو أمر غير مستبعد، فما على لبنان في هذه الحال، وفق ما تراه بعض الأوساط الديبلوماسية، سوى الذهاب إلى أسوأ الاحتمالات، وهو اللجوء إلى خيار إعلان قطع العلاقات الديبلوماسية مع طهران.
إلاّ أن هذا الاجراء، في رأي أوساط ديبلوماسية أخرى، قد يزيد من حال التوتر السياسي الداخلي، وهذا ما لا يحتاج إليه لبنان في هذا الظرف الدقيق والحسّاس والخطر في آن، خصوصًا أن “الثنائي الشيعي”، الذي قاطع وزراؤه آخر جلسة لمجلس الوزراء قد يكون له موقف مغاير هذه المرّة. فإذا بلغ الأمر حدّ قطع العلاقات الديبلوماسية بين بيروت وطهران فإن “الثنائي” قد يجد نفسه مجبرًا على سحب وزرائه من الحكومة، التي ستتحوّل إلى “حكومة عرجاء”، وفق التوصيف الذي أُطلق على حكومة الرئيس فؤاد السنيورة بعدما انسحب منها المكوّن الشيعي، وبعدما سقطت عنها صفة “الميثاقية”، وحوصر السراي الحكومي بخيم المعتصمين. أمّا إذا لجأ رئيس الحكومة نواف سلام إلى استبدال الوزراء المستقيلين بوزراء آخرين من الطائفة الشيعية فإن المشكلة ستكبر أكثر مما هو متوقع، وقد تُدخل البلاد في متاهات لا مخرج لها سوى المزيد من التعقيد والتأزيم.
أمّا بالنسبة إلى إسرائيل، التي تستبيح كل شيء، وتضرب بعرض الحائط كل الاتفاقات والمواثيق الدولية فإن بقاء السفير شيباني داخل السفارة وعدم مغادرته لبنان إلى بلاده قد يعطيها الحجّة باعتبار هذا المقرّ هدفًا مباشرًا مثله مثل فندق “الكومفورت” في الحازمية، أو فندق “رامادا” في الروشة، حيث التجأ إليهما عدد من الإيرانيين، يُقال إنهم ينتمون إلى “الحرس الثوري الإيراني”.
وفي حال استهداف إسرائيل السفارة الإيرانية في بيروت فإن الردّ المتوقع من جانب “حزب الله” قد يشمل بعض المصالح الأميركية في لبنان. وهذا الردّ، في حال حصوله، سيعرّض بعض المناطق اللبنانية التي هي بالقرب من هذه المصالح لخطر الاستهداف، الأمر الذي من شأنه أن يحرف طبيعة المواجهة مع إسرائيل إلى مكان آخر. وقد يكون من نتائج هذا الحرف واحد من بين أهداف كثيرة لإسرائيل، التي تسعى إلى إيجاد مناخ ملائم لفتنة داخلية.
فالمشكلة لم تعد في بقاء السفير شيباني داخل السفارة أو مغادرته، بل في ما يمثّله هذا البقاء من رسالة سياسية واضحة، مفادها أن الصراع بين إيران وخصومها لم يعد صراع نفوذ غير مباشر فقط، بل أصبح صراع حضور مباشر على الأرض اللبنانية، وأن لبنان الرسمي عاجز حتى الآن عن فرض قراراته السيادية عندما تتعارض مع توازنات القوة الداخلية والإقليمية.
فلبنان اليوم، في رأي جهات سياسية وازنة، أمام معادلة شديدة الخطور. فإذا ترك السفير الإيراني داخل السفارة، يكون قد تراجع عن قراره، وإذا صعّد ديبلوماسيًا قد يصل إلى قطع العلاقات مع طهران، وإذا تطوّر الأمر أمنيًا قد يتحول لبنان مجددًا إلى ساحة رسائل بالنار بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة.
كل ذلك يحصل فيما الدولة اللبنانية تحاول أن تقنع الداخل والخارج بأنها استعادت قرارها السيادي، لكن قضية السفير شيباني قد تتحول إلى امتحان حقيقي لهذه السيادة. فهل القرار الذي يُتخذ في مجلس الوزراء يُنفّذ فعلًا، أم يبقى قرارًا نظريًا يصطدم بالوقائع السياسية والأمنية؟
قد يبقى السفير شيباني داخل السفارة أيامًا أو أسابيع، لكن القضية لم تعد قضية سفير، بل قضية دولة غير قادرة على فرض قراراتها على ساحة تتصارع فوقها الدول.

المصدر: Lebanon24

News Desk

Share
Published by
News Desk

Recent Posts

لكسر شوكة “حزب الله”.. صحيفة أميركية تدعو الغرب لمساعدة لبنان

ذكرت صحيفة "The Hill" الأميركية أنه "بعد العراق وأفغانستان، والآن مع اندلاع حرب غير شعبية…

12 دقيقة ago

الدفاع المدني: 89 مهمّة خلال الـ 24 ساعة الماضية

أفادت المديرية العامة للدفاع المدني بأن عناصرها نفذت 89 مهمة في خلال الـ 24 ساعة…

14 دقيقة ago

كنعان من قصر بعبدا: طريق القيامة تبدأ وتنتهي بالدولة والجيش ووحدتنا

 اعتبر النائب إبراهيم كنعان من قصر بعبدا أن " خريطة طريق القيامة تبدأ وتنتهي بالدولة…

18 دقيقة ago

قوى الأمن: توقيف مروجَّي مخدرات في مناطق جبل لبنان

 صدر عن المديريّة العامّة لقوى الأمن الدّاخلي - شعبة العلاقات العامّة البلاغ التّالي: "في إطار…

23 دقيقة ago

الجامعة اللبنانية حذّرت من اعلانات زائفة تدّعي تأمين فرص عمل من بُعد

أعلنت رئاسة الجامعة اللبنانية في بيان، أنه "تنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي وبعض المواقع الإلكترونية…

26 دقيقة ago