Categories: أخبار

أزمة السفير الإيراني: حين يصطدم القرار بتوازنات الداخل

لا تبدو أزمة السفير الإيراني في لبنان، محمد رضا شيباني، مجرّد خلاف دبلوماسي يمكن احتواؤه ضمن الأطر التقليدية للعلاقات بين الدول، بل تكشف في عمقها عن خلل بنيوي في طريقة إنتاج القرار داخل الدولة اللبنانية، وعن حدود القدرة على الفصل بين الداخل والخارج في نظام يقوم أساساً على توازنات دقيقة لا تحتمل الصدمات.

فالقرار المتعلق بالسفير، في سياقه اللبناني، لا يُقاس فقط بمعاييره القانونية أو السيادية، بل بمدى انسجامه مع شبكة التوافقات التي تحكم البلاد. ذلك أن لبنان، بخلاف الدول المركزية، لا يعمل بمنطق الأغلبية، بل يقوم على الشراكة بين مكوّناته، حيث يتحوّل أي إجراء يمسّ طرفاً أساسياً إلى خطوة تفسّرها الأطراف المعنية على أنها استهداف سياسي، حتى عندما تُطرح تحت عنوان سيادي.

من هذه الزاوية، يتجاوز الاعتراض على قرار إبعاد السفير الإيراني، مسألة الشخص أو الموقع الدبلوماسي، ليصل إلى قراءة أوسع تتعلق بموقع الطائفة الشيعية ضمن المعادلة الوطنية، وبطبيعة علاقتها مع إيران. فهذه العلاقة، في وعي شريحة واسعة، لا تختصر بإطار دبلوماسي، بل تنظر إليها هذه البيئة كامتداد سياسي وأمني تشكّل عبر سنوات طويلة من التوترات الإقليمية، وتعزّز مع تصاعد المواجهة مع إسرائيل، ما منحها بعداً يتجاوز هذا الإطار.

عند هذه النقطة، تتعقّد الأزمة بشكل واضح. فحين تتخذ الحكومة قراراً يمسّ هذا الامتداد، من دون أن يسبقه توافق داخلي أو مقاربة شاملة تراعي حساسية اللحظة، تتعامل معه هذه البيئة كجزء من صراع داخلي أكثر منه خطوة تنظيمية في العلاقات الخارجية. وتشتد هذه المقاربة مع شعور متنامٍ لدى هذه البيئة بأنها تتحمّل العبء الأكبر في المواجهة القائمة، ما يدفعها إلى التعامل بحساسية أعلى مع أي خطوة تعتبرها تضييقاً على حلفائها أو انتقاصاً من موقعها.

في المقابل، لا يمكن فصل هذا المشهد عن تراكمات تاريخية ثقيلة ما زالت تتحكّم بطبيعة العلاقة بين أطراف لبنانية وإيران. فهذه العلاقة لا تنطلق من لحظة سياسية راهنة، بل ترتكز على إرث طويل من الصراعات والملفات العالقة، إلى جانب مستوى مرتفع من انعدام الثقة، ما يدفع هذه الأطراف إلى التعامل مع أي قرار باعتباره امتداداً لهذا الصراع، وجزءاً متصلاً بسياقه وخلفياته.

وبين هذا وذاك، تكشف الأزمة خللاً في طريقة اتخاذ القرار داخل الدولة. فعندما يُتّخذ القرار من دون مراعاة توازن المكوّنات أو مصالحها، يتعامل معه الطرف المعني على أنه قرار يستهدفه أو يتجاوز موقعه، ما يدفعه إلى تعزيز ارتباطه بخيارات خارج إطار الدولة. عندها، لا تبقى المسألة مرتبطة بالسيادة فقط، بل تتحول إلى مشكلة داخلية تتعلق بقدرة الدولة على إدارة التوازن بين مكوّناتها.

المشكلة، إذاً، لا تكمن فقط في قرار بقاء سفير أو مغادرته، بل في طريقة إدارة هذا الملف الحساس، إذ لا يمكن الحديث عن سيادة في مقاربة تنتقي تدخلاً بعينه وتتغاضى عن سواه، ما يطرح تساؤلات جدية حول المعايير المعتمدة في اتخاذ القرار، وهو ما ينعكس مباشرة على الداخل، إذ يشعر جزء من اللبنانيين بأن المسألة تتجاوز حماية السيادة إلى استهداف سياسي، في حين أن المقاربة التي تقوم على الإقصاء أو فرض الأمر الواقع في نظام قائم على التوازن، غالباً ما تؤدي إلى نتائج عكسية، لأنها تعيد إنتاج الانقسام بدل معالجته وتزيد من منسوب التوتر.

في المحصلة، ما يجري اليوم لا يعكس فقط أزمة دبلوماسية راهنة، بل يكشف مرة جديدة عن هشاشة الصيغة اللبنانية حين تُختبر في لحظات الضغط. وبين منطق السيادة ومنطق التوازن، يبقى التحدي الحقيقي في إيجاد صيغة تمنع الانزلاق إلى الداخل، لأن أي خلل في هذا التوازن لا يبقى محصوراً في السياسة، بل يتجاوزها ليصيب الاستقرار الداخلي مباشرة.

المصدر: Lebanon24

News Desk

Share
Published by
News Desk

Recent Posts

“لبنان مقابل هرمز”.. هكذا أصبح الجنوب “ورقة مساومة”

نشر موقع "arabnews" تقريراً جديداً اعتبر فيه أن لبنان بات "ورقة مساومة" في المواجهة الأميركية…

13 دقيقة ago

بعد الضربة الايرانية على اسرائيل..ترامب يعلّق

في أول تعليق له،  دعا الرئيس الأميركي دونالد  ترامب ايران للعودة إلى طاولة المفاوضات وابرام…

15 دقيقة ago

على خلفية الضربة الايرانية على اسرائيل… مشاورات أمنية اسرائيلية

أعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين أنه يعقد مشاورات أمنية، وذلك على خلفية التطورات المتسارعة…

23 دقيقة ago

انهيار سقف أحد المحال في جونية… والدفاع المدني ينفّذ عمليات بحث وإنقاذ وينتشل جثماناً

نفّذت فرق الدفاع المدني اللبناني عمليات بحث وإنقاذ إثر انهيار سقف أحد المحال في منطقة…

28 دقيقة ago

مصدر في حزب الله لـ”لبنان 24″: لا نحتاج إلى قرار جديد لقصف إسرائيل

كشف مصدر في حزب الله لـ"لبنان 24" أن موقف الحزب من المواجهة مع إسرائيل "معلن…

32 دقيقة ago