على وقع الانهيار الاقتصادي والحرب وتراجع قدرة الدولة على الإمساك بقطاعاتها الحيوية، عاد ملف المصانع غير المرخّص لها إلى الواجهة في لبنان من باب رسمي جديد، لكنّه في جوهره ليس ملفاً إدارياً عادياً. ما يظهر اليوم يتجاوز مسألة أوراق ناقصة أو معاملات غير مكتملة، ليكشف عن واقع أوسع ألا وهو قطاع صناعي يتمدّد جزئياً خارج الإحاطة الرسمية، ودولة تعرف أن ما هو مسجّل لديها لا يوازي بالضرورة ما يعمل فعلياً على الأرض. هذا المشهد برز بوضوح مع التعميم الأخير الصادر عن وزارة الصناعة، والذي منح المؤسسات الصناعية غير المرخّصة أو تلك التي لم تستكمل إجراءاتها مهلة حتى 15 نيسان 2026 لتسوية أوضاعها. في الشكل، يبدو القرار خطوة تنظيمية تهدف إلى سحب المؤسسات المخالفة نحو الإطار القانوني. أما في المضمون، فهو إقرار واضح بأن جزءاً واسعاً من النشاط الصناعي لا يزال يدور في مساحة رمادية بين التسجيل الجزئي، وعدم الترخيص، والوجود خارج السجلات الرسمية بالكامل.
المفارقة الأساسية التي يمكن البناء عليها في هذا الملف أن الدولة نفسها تتحدث عن نحو سبعة آلاف مصنع مسجّل لديها، في حين تشير تقديرات ودراسات غير رسمية اطّلع عليها “لبنان24” إلى وجود ما يقارب 15 ألف مصنع في البلاد، ما يعني أن أكثر من ضعف المصانع المسجلة هي غير مسجلة، وتعمل بشكل غير قانوني، من دون أي رقابة واضحة، سواء لناحية المعايير التي تستعملها، أو حتى مدى تأثيرها على صحة المواطن في ما خصّ صحة المواطنين، وما يتم استهلاكه من منتجات هذه المصانع.
وتزداد الصورة دقة مع الأرقام التي جمعها دليل الصادرات والمؤسسات الصناعية في لبنان حتى نهاية عام 2024. فبحسب هذه المعطيات، بلغ عدد المصنّعين المدرجين في مصادر مختلفة، من بينها الوزارات وغرف التجارة والبلديات وغيرها، 18 ألفاً و542 مصنّعاً. ومن بين هؤلاء، هناك 5 آلاف و358 مؤسسة مرخّصة من وزارة الصناعة، أي ما نسبته 28.8 في المئة فقط من الإجمالي، مقابل 3 آلاف و413 مؤسسة غير مرخّصة من الوزارة، أي 18.4 في المئة، فيما تندرج 9 آلاف و771 مؤسسة، أي 52.7 في المئة، ضمن عمليات أو مؤسسات واردة في مصادر أخرى.
هذه الأرقام وحدها كفيلة بفتح باب تحقيق واسع. فهي لا تقول فقط إن هناك مصانع غير مرخّصة، بل تُظهر أيضاً أن الجزء الذي يدخل بوضوح في الإطار النظامي لا يمثّل سوى أقل من ثلث المشهد الصناعي الواسع الذي ترصده جهات متعددة. أما ما تبقّى، فيتوزع بين غير مرخّص، أو موجود في قواعد بيانات ومصادر مختلفة من دون أن يكون موقعه القانوني محسوماً بالشكل الكافي. وبذلك، لا تعود المشكلة مرتبطة بمؤسسات مخالفة منفردة، بل بمشهد كامل يبدو أكبر من القدرة الرسمية على الضبط والإحصاء والتنظيم.
الجغرافيا بدورها تعطي الملف بعداً آخر. إذ يبيّن التوزيع الجغرافي للمصنّعين أن محافظة جبل لبنان تضم 9 آلاف و556 مؤسسة، أي أكثر من نصف الإجمالي، تليها بيروت مع ألفين و319 مؤسسة، ثم الجنوب مع ألف و977، فالشمال مع ألف و735، ثم البقاع والنبطية وبعلبك الهرمل وعكار بنسب متفاوتة. هذا التركّز الكبير في جبل لبنان وبيروت لا يمكن عزله عن طبيعة التمدّد العمراني والاختلاط بين السكن والإنتاج، ولا عن واقع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي انتشرت خلال السنوات الماضية داخل مناطق مأهولة، مستفيدة من ضعف الرقابة أحياناً، ومن الحاجة الاقتصادية أحياناً أخرى. وهنا تحديداً تكمن إحدى أخطر زوايا الملف. فوزارة الصناعة نفسها أشارت إلى أن معظم المؤسسات غير المسجّلة صغير الحجم ويقع في مناطق سكنية. وهذه المعلومة تفتح الباب أمام أسئلة تتجاوز الشرعية القانونية إلى السلامة العامة. ما طبيعة هذه الصناعات؟ هل هي حرفية وخفيفة الأثر، أم أن بينها مؤسسات قد تخلّف انبعاثات أو نفايات أو مخاطر صحية وبيئية؟ من يراقب شروط السلامة داخلها؟ ومن يضمن ألا تتحول الأحياء السكنية، في ظل الانهيار، إلى مساحات إنتاج غير خاضعة بالكامل للمعايير المطلوبة؟
في هذا السياق، لا يمكن مقاربة الظاهرة فقط من زاوية المخالفة. فالأزمة الاقتصادية التي ضربت لبنان دفعت كثيرين إلى البحث عن أي نشاط منتج قادر على تأمين حد أدنى من الاستمرار. ومع ارتفاع كلفة التشغيل، وتراجع القدرة الشرائية، وانكماش السوق، باتت المؤسسات الصغيرة تبحث عن طرق أقل كلفة للبقاء، وقد يكون العمل خارج الإطار القانوني أحد هذه الطرق.
لكن هذا الواقع، مهما كانت أسبابه، يخلق في المقابل معضلة أخرى تتمثل في المنافسة غير العادلة مع المصانع الملتزمة، أي تلك التي دفعت كلفة الترخيص والتجهيز والالتزام بالشروط والرسوم، لتجد نفسها في السوق نفسها أمام مؤسسات تعمل بكلفة أقل وبقيود أقل.
بالتالي، فالعبرة ليست في الإعلان عن التسوية، بل في ما سيأتي بعدها. ماذا سيحدث بعد 15 نيسان؟ هل ستُعطى مهلة إضافية؟ هل ستباشر الوزارة بإجراءات إنذار وإقفال؟ وهل تملك أصلاً القدرة اللوجستية والإدارية على متابعة هذا الكم من الملفات؟ ثم ماذا عن التنسيق مع البلديات، ووزارات البيئة والصحة والداخلية، في حال كانت بعض المؤسسات قائمة في أحياء سكنية أو تمارس أعمالاً تحتاج إلى رقابة متقاطعة؟
التحقيق في ملف المصانع غير المرخّصة لا يجب أن يتوقف عند سؤال: كم مصنعاً لا يحمل ترخيصاً؟ السؤال الأهم هو: كيف وصلت الدولة إلى مرحلة لا تعرف فيها بصورة نهائية الحجم الحقيقي لقطاعها الصناعي؟ وكيف يمكنها أن تنظّم ما لم تُحصه بالكامل بعد؟ بين سبعة آلاف مصنع مسجّل، وخمسة عشر ألفاً وفق تقديرات غير رسمية، وأكثر من 18 ألفاً و500 مصنّع رصدتهم مصادر متعددة، تتضح فجوة كبيرة بين الإدارة والواقع. وهذه الفجوة، أكثر من أي شيء آخر، هي لبّ الحكاية.