ليس صحيحًا أن ما نشهده في هذا الزمن الرديء من تفلت اعلامي يصل إلى حدود الانحطاط الأخلاقي لم يكن موجودًا في المشهد اللبناني في مراحل سابقة. فـ “قلة” الاخلاق مرافقة لأي عمل سياسي غير مضبوطة إيقاعاته على النغم اللبناني الأصيل منذ أن أصبحت مقولة إن السياسة ما دخلت دارًا إلاّ وافسدتها واقعًا مكرّسًا، لدى معظم السياسيين، الذين يعتبرون أن الغايات تبرّر الوسائل، والتي غالبًا ما تكون هذه الوسائل ملتوية أو خارجة عن القانون.
إلاّ أن انتشار “المواقع الإخبارية الفطرية” في شكل فوضوي وغير منظم قد ساهم إلى حدّ كبير في انحدار مستوى التعاطي الإعلامي مع الأحداث إلى أدنى المستويات، مع ما تشهده ساحة مواقع التواصل الاجتماعي من “فايسبوك” و”انستغرام” و”أكس” و”تيك توك” من “مجزرة” حقيقية في المقاربات العلمية والأخلاقية، إذ أصبحت هذه الوسائل منصّات مباحة لكل أنواع التطرف الفكري والايديولوجي الترويجي، من دون أن تتمكّن الحكومات، سواء في العالم المتطور أو في دول العالم الثالث، ومن بينها بالطبع لبنان، من ضبط إيقاع هذه الوسائل، التي تتيح لكل من “طالع على بالو أن يغنّي موّالًا” ألاّ يتردّد في أن ينشر ما كان يخجل أن يقوله بينه وبين نفسه أو داخل الجدران الأربعة.
وهكذا بات كل فرد من المجتمع وسيلة إعلامية بحدّ ذاتها. فهو قادر على أن ينشر كل ما يطلع على باله أن يقوله من دون أي حرج، ومن دون أن يستطيع أن يقول له أحد “ما أحلى الكحل بعينك”. وهذا الأمر يقود تلقائيًا إلى ردود فعل لا تقّل في فظاظتها وقلّة أخلاقها عن مضمون ما يُنشر يوميًا من دون رقيب أو حسيب. من هنا يمكن أن نفهم لماذا لم يبصر قانون الاعلام النور، والذي يتضمن تنظيمًا صارمًا للمواقع الإخبارية، التي وصل عدد التي لديها علم وخبر لدى وزارة الاعلام إلى حدود الخمسة آلاف موقع غير مستوفية الشروط الواردة في المشروع، الذي تقدّم به الوزير بول مرقص لتنظيم هذا القطاع، الذي تسوده الفوضى والاستنسابية والغموض.
ولأن الشيء بالشيء يُذكر فإن وزير الاعلام مطالب بأن تكون له بصمة، كما كانت له في تلفزيون لبنان، لناحية تجديد دم المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع، الذي مضى على انتهاء صلاحية أعضائه أكثر من عشر سنوات.
وإذا كان من الطبيعي أن تتطوّر وسائل الإعلام مع تطوّر التكنولوجيا، وأن تتبدّل أدوات التعبير تبعًا لمقتضيات العصر، فإنه من غير الطبيعي أن تتحوّل هذه المساحات المفتوحة إلى ساحة فوضى عارمة تُنتهك فيها أبسط المعايير المهنية والأخلاقية، من دون أي مساءلة أو محاسبة. فالإعلام، في جوهره، رسالة ومسؤولية، وليس مجرّد منصة لتصفية الحسابات أو لبثّ السموم والتحريض.
وفي تقدير أوساط إعلامية متابعة، فإن الخطر لا يكمن فقط في كثرة المنصّات، بل في غياب المعايير التي تضبط عملها، حيث تختلط الأخبار بالشائعات، والتحليل بالدعاية، والرأي بالتشهير، في مشهد يربك الرأي العام ويُفقده القدرة على التمييز بين الحقيقة والتضليل. وهذا ما ينعكس سلبًا على الحياة السياسية والاجتماعية، إذ تصبح القرارات والانفعالات مبنية على معلومات مغلوطة أو مجتزأة.
كما أن هذا الانفلات الإعلامي لا يمكن فصله عن المناخ السياسي العام، حيث تغيب المحاسبة وتُرفع الحصانات غير المعلنة عن كل من يسيء أو يحرّض، ما يشجّع على التمادي في الخطاب المتدنّي. وفي ظل هذا الواقع، يصبح الإعلام جزءًا من الأزمة بدلًا من أن يكون أداة للمساءلة وكشف الحقائق.
ومن هنا، فإن الحاجة باتت ملحّة أكثر من أي وقت مضى لإقرار قانون إعلام عصري يوازن بين حرية التعبير، التي تُعدّ من أبرز مكامن قوة لبنان، وبين ضرورة حماية المجتمع من الفوضى الإعلامية التي تهدّد السلم الأهلي. فالتنظيم لا يعني القمع، بل وضع قواعد واضحة تحمي الجميع، وتعيد الاعتبار إلى المهنة وإلى دورها التنويري.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال الدور الذي يُفترض أن يضطلع به المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع، والذي تحوّل، بفعل الإهمال والتقادم، إلى مؤسسة شبه معطّلة، في وقت يحتاج فيه البلد إلى مرجعية تنظيمية فاعلة قادرة على مواكبة هذا الانفجار الإعلامي وضبط إيقاعه.، على أن يبقى السؤال الأساس: هل يُترك الإعلام في لبنان رهينة الفوضى والاستنسابية، أم أن ثمة قرارًا جديًا بإعادة الاعتبار إلى هذه السلطة الرابعة، بما يليق بدورها في حماية الديمقراطية وصون الحقيقة؟ فالإعلام، إذا لم يُنظّم، قد يتحوّل من مساحة حرية إلى أداة فوضى، ومن منبر للحقيقة إلى سلاح في وجه المجتمع نفسه.
المصدر: Lebanon24