Categories: أخبار

اسرائيل تفاوض في واشنطن بنار الجنوب

فيما تواصل إسرائيل انتهاج سياسة تفريغ الجنوب من أهله وتدمير ما تبقّى من منازل ومستشفيات ومدارس ومؤسسات صحية واجه الوفد اللبناني العسكري المفاوض في البنتاغون عقدة العقد، وهي كيفية إقناع الوفد الإسرائيلي بأن ما يقوم به الجيش الإسرائيلي من ممارسات حربية غير مسبوقة في تاريخ الحروب، الحديث منها والقديم، لا يصّب في إطار الأهداف، التي تسعى إليها الولايات المتحدة الأميركية في مفاوضاتها مع إيران، والتي تُعتبر بالتالي النقيض العكسي لما يصرّح به المسؤولون الأميركيون عن أهمية الاستقرار في لبنان.
 لا شكّ في أن مشهد التوغل الإسرائيلي خارج ما يسمّى بـ “الخط الأصفر” كان حاضرًا بقوة على طاولة البنتاغون، خصوصًا بعدما تبيّن أن الجيش الإسرائيلي يسعى  من خلال هذا التوغل إلى الوصول إلى مجرى نهر الليطاني في بلدة بلاط، التي تتصل وديانها بمجرى النهر في الخردلي، وإحكام الطوق تماماً على المنطقة التي يسيطر عليها، بما يعزل المناطق التي يحتلها بجنوب لبنان عن مناطق جنوب لبنان وشرقه، إضافة إلى احتلال قلعة الشقيف بما تعنيه من سيطرة كاملة قد تصل إلى أبعد مدى، وهي مناطق الإمداد بمقاتلي “حزب الله” إلى المنطقة المحتلة، والحؤول بالتالي دون تمكين المسيّرات الجديدة، والتي لا يصل مداها إلى أبعد من 25 كلم، من تحقيق أهدافها، أقلّه بالنسبة إلى المناطق الشمالية الإسرائيلية، خصوصًا أن هذه المسيّرات، التي يمكن وصفها بـ “البدائية”، تقلق تل أبيب في شكل غير موصوف.
وفيما لم يقع لبنان في فخ تل أبيب، التي سعت إلى تأجيل موعد الجولة الرابعة من المفاوضات المباشرة في وزارة الخارجية الأميركية المقررة من حيث المبدأ اليوم في 2 وغدًا في 3 حزيران، أصرّت واشنطن على عقدها في موعدها المحدّد، وذلك لانتزاع من إسرائيل أي حجة لاستثمار ما يحصل في الميدان على طاولة المفاوضات، وللتخفيف من وطأة التفوق العسكري الميداني للجيش الإسرائيلي في الجنوب اللبناني.
لكنّ ما برز بوضوح خلال النقاشات، سواء في الجلسات المباشرة أو في الكواليس الديبلوماسية المرافقة لها، أنّ الخلاف لم يعد محصورًا في تفسير بنود اتفاق وقف إطلاق النار أو في تحديد المسؤوليات عن الخروقات المتبادلة، بل بات خلافًا على شكل الجنوب اللبناني في المرحلة المقبلة. فإسرائيل تتعامل مع ما يجري باعتباره فرصة استراتيجية لإعادة إنتاج واقع أمني جديد يمنحها ما عجزت عن تحقيقه طوال السنوات التي تلت صدور القرار 1701، فيما يتمسك لبنان بأن أي ترتيبات مستقبلية يجب أن تنطلق من مبدأ السيادة الكاملة ووقف الاعتداءات والانسحاب من الأراضي المحتلة.
ومن هنا، فإنّ إصرار الوفد اللبناني على تثبيت الهدنة قبل أي بحث آخر لم يكن مجرد موقف تفاوضي أو تكتيكي، بل محاولة لمنع تحويل المفاوضات إلى منصة لتكريس نتائج الميدان. فلبنان يدرك أنّ أي نقاش في ملفات أمنية معقدة، فيما الطائرات الإسرائيلية تواصل غاراتها والتوغلات مستمرة، سيعني عمليًا التفاوض تحت الضغط، وهو أمر لا يمكن أن يؤدي إلى تفاهم متوازن أو مستدام.
وفي المقابل، يبدو أنّ إسرائيل تسعى إلى قلب أولويات التفاوض. فهي تريد أن يكون البحث أولًا في الضمانات الأمنية والمسيّرات والبنية العسكرية لـ “حزب الله”، قبل الانتقال إلى ملفات الانسحاب ووقف العمليات العسكرية. وبذلك تحاول تل أبيب ربط أي تراجع ميداني أو انسحاب محتمل بتحقيق شروط أمنية مسبقة تضمن لها حرية حركة أوسع في المستقبل، أو على الأقل تمنحها مبررًا سياسيًا وعسكريًا للاحتفاظ بأوراق ضغط داخل الأراضي اللبنانية.
أما واشنطن، فتجد نفسها أمام معضلة حقيقية. فهي من جهة تريد إنجاح المسار التفاوضي باعتباره أحد الإنجازات الديبلوماسية التي يمكن البناء عليها في سياق إعادة ترتيب ملفات المنطقة، ومن جهة أخرى لا تملك القدرة أو ربما الرغبة في ممارسة ضغط حاسم على الحكومة الإسرائيلية لوقف اعتداءاتها بالكامل. ولذلك تبدو الإدارة الأميركية وكأنها تحاول إدارة التناقض لا حله، عبر إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة ومنع انهيارها، بالتوازي مع احتواء التصعيد الميداني ضمن حدود معينة.
غير أنّ هذه المقاربة تحمل في طياتها مخاطر جدية. فاستمرار الاعتداءات الاسرائيلية بالتزامن مع التفاوض يضعف الثقة بأي مسار سياسي ويمنح المتشددين في كل الأطراف حججًا إضافية للتشكيك بجدواه. كما أنّ استمرار تدمير القرى والبنى التحتية في الجنوب يخلق واقعًا إنسانيًا واجتماعيًا يصعب معالجته لاحقًا، حتى لو تم التوصل إلى تفاهمات أمنية أو سياسية.
وفي العمق، يبدو أنّ المعركة الحقيقية لم تعد تدور فقط حول بضعة كيلومترات هنا أو هناك، أو حول موقع عسكري أو مستودع سلاح، بل حول المرجعية التي ستدير الجنوب في السنوات المقبلة. فهل ينجح لبنان في تثبيت دور الدولة والجيش كمظلة وحيدة للسيادة والأمن، أم أنّ إسرائيل ستتمكن من فرض نموذج أمني جديد قائم على المراقبة الدائمة والتدخل عند الحاجة؟
ولذلك، فإنّ الجولة الحالية من المفاوضات قد تكون من أكثر الجولات حساسية منذ سنوات طويلة، خصوصًا أنها تتزامن مع عقد مجلس الأمن جلسة طارئة خصّصها لمناقشة الوضع المتدهور في جنوب لبنان، ولأنها لا تبحث فقط في وقف النار أو في معالجة تداعيات الحرب، بل في رسم الخطوط العريضة للمرحلة المقبلة. ومن هنا يمكن فهم سبب تمسك لبنان بوقف إطلاق النار كأولوية مطلقة، لأنّ أي تفاوض لا يبدأ بإسكات المدافع يبقى معرضًا للتحول إلى مجرد إدارة مؤقتة للأزمة، لا إلى حل فعلي لها.
وفي انتظار الجولة السياسية المقبلة في وزارة الخارجية الأميركية، يبقى السؤال الأساسي عن مدى قدرة واشنطن على تحويل تفوق إسرائيل الميداني إلى فرصة لإنتاج تسوية مستقرة.

المصدر: Lebanon24

News Desk

Share
Published by
News Desk

Recent Posts

بارو: لا شيء يبرر احتلالاً إسرائيلياً مطوّلاً في لبنان

شدّد وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو اليوم على أن "لا شيء يمكن أن يبرر"…

6 دقائق ago

إسرائيل تُصعّد تدريجياً.. هل ستصمد الهدنة؟

يتحدث اكثر من خبير عسكري عن ان المعطيات على الارض تشير إلى أن إسرائيل تعتمد…

8 دقائق ago

عون اطّلع من شقير على نتائج زيارته إلى موسكو والأوضاع الأمنية

اطّلع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون من المدير العام للأمن العام اللواء حسن شقير على…

18 دقيقة ago

بري على خطّ قطر والسعودية.. رسائل “ما بعد الحرب”

أن يتولى رئيس مجلس النواب نبيه بري زمام المفاوضات مع الأميركيين لوقف إطلاق النار بين…

23 دقيقة ago

الرئيس عون اطلع من شقير على نتائج زيارته إلى موسكو

اطلع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون من المدير العام للامن العام اللواء حسن شقير على…

24 دقيقة ago

شعبة المعلومات تكشف ملابسات وفاة شخص بطلق ناري وتوقف مطلق النار ومتورّطين

بتاريخ 04-05-2026، أقدم شخص مجهول على نقل المدعو (ع. ز.، مواليد عام 1994، سوري) إلى…

25 دقيقة ago