بورجيا
في بداية القداس، تلا السفير بورجيا رسالة من البابا لاوون الرابع عشر جاء فيها: “بمناسبة مرور خمس وعشرين سنة على إعلان قداسة القديسة رفقا بطرسية شوق الريس، يوجه قداسة البابا لاوون الرابع عشر تحياته الحارة إلى راهبات رهبانية الراهبات اللبنانيات المارونيات، وإلى كل واحد منكم المجتمعين في هذه الذكرى، وهو يؤكد لكم قربه الروحي في وقت الشكر هذا”.
العظة
وبعد تلاوة الانجيل المقدس، ألقى الاباتي محفوظ عظة قال فيها:
“مساحات المحبّة تُضاءُ، اليوم، أمام عيوننا، في أبهى تجليّاتها. إذ نحن، اليوم، في مساحة دير مار يوسف – جربتا، ضريح القديسة رفقا، نحتفل بمساحة خمس وعشرين سنة على إعلان قداستها، فتنجلي مساحات أخرى مرتبطةٌ بهاتَين المساحتَين، مساحاتٌ شديدةُ البهاء، مساحةٌ تلو المساحة، تتلوّن كلّ منها بأبهى حلّة، هي حلّة المحبّة” .
ثم تحدث عن حياة القديسة رفقا على الأرض وبعد الأرض وقال: “يا لها من مساحات محبّة! شكرًا لله عليها، وشكرًا للقدّيسين وخصوصًا اليوم للقدّيسة رفقا، لأنّها تظهر لنا وجه الإنسانيّة الرائعة، وجه محبّة الآخر المتأتي من القلب المكتشف محبّة الله والممتلئ منها. إنّ كلّ قدّيس، بقربه من الربّ يسوع المسيح، الإله الكامل والإنسان الكامل، يظهر حقيقة الإنسانيّة، وحقيقة كلّ إنسان”.
وأضاف: “لقد ذكّرنا قداسة البابا لاوون الرابع عشر في رسالته العامّة الأخيرة التي تحمل عنوان “الإنسانيّة الرائعة”، والتي أراد بشكل خاصّ أن يتطرق فيها إلى قضيّة الذكاء الاصطناعيّ، ذكّرنا أنّ “الإنسانيّة الرّائعة التي خلقها الله تقِفُ اليومَ عند مفترَقِ طرُقٍ وعليها أن تختار: إمّا أن تبني برجَ بابل جديدًا وإمّا أن تبني المدينة حيث يسكن الله والإنسانيّة معًا” (عدد 1).
هذا التعليم يظهر كم إنّ قداسة البابا هو أيضًا مساحة محبّة، جميلةٌ جدًّا. إنّ قداسته يظهر، بشكل خاصّ، محبّة الله وعذوبته. ولا شكّ في أنّنا، في لبنان، نعمنا بمساحة محبّته إذ خصّ بلدنا بزيارة رسوليّة في نهاية السنة الفائتة، في أول رحلة له خارج إيطاليا. له الشكر، ليس فقط على هذه الزيارة التاريخيّة، بل أيضًا، على مواكبته اليوميّة لشؤون لبنان، وعلى صلاته من أجل وطننا ومن أجل السلام في العالم كلّه. له الشكر أيضًا على بركته الرسوليّة وعلى تشجيعه من خلال الرسالة التي وجّهها باسمه نيافة الكاردينال بيترو بارولين، أمين سرّ دولة الفاتيكان، في بداية هذا الاحتفال. وله صلاتنا، وله خضوعنا البنويّ الكامل” .
وتوجّه إلى السفير البابوي بورجيا، شاكرًا ايّاه على حضوره الاحتفال بهذا اليوبيل، وعلى تمثيله الاستثنائيّ لقداسة البابا ولمحبّته في لبنان، وعلى كلّ حضوره الكنسيّ والاجتماعيّ والدبلوماسيّ، “الشكر له كبير من الكثيرين الكثيرين في لبنان الّذين يقدّرون محبّته لوطننا والتي تظهر بشكل خاصّ من خلال زياراته المتكرّرة الى البلدات المنكوبة في الجنوب العزيز الذي من أجله نصلّي اليوم بشكل خاصّ”.
وأردف: “هناك أيضًا مساحة محبّة أودّ التكلّم عنها بشكل خاصّ. إنّها مساحة وطننا الحبيب لبنان. إنّها مساحة محبّة ينصبّ عليها الكثير من الحقد والبغض والضغينة. جمال بلدنا بأرضه وانسانه معروف، وتشتاق الدنيا إلى إزاحة السوء وتبيان بهاء هذا الجمال. قيمنا تدفعنا إلى التشبث بالسلام، والى العمل من أجل الوحدة والعيش المشترك ومحبّة الجميع، بدون تمييز. نحن نريد العودة الى المفاهيم الصحيحة لوجود الدولة ولبنيانها وللحفاظ عليها كمساحة عيش مشترك هانئ. لنعد الى المفاهيم الصحيحة التي انتزعت من بيننا لألف حجة وحجة، يوم كان إعمال المنطق ممنوعًا عندنا. نحن نريد دولة الازدهار والنموّ والنجاحات والمواطنة والعيش الكريم والحرّ والعادل، دولة القيم، دولة احترام الانسان، كلّ إنسان بدون أيّ تمييز، وكلّ الإنسان، في كلّ أبعاده، ومنها الروحيّة. لذا، نحن نجاهر بدعمنا لفخامة الرئيس العماد جوزاف عون في مسيرته لبناء الدولة التي نريد. صحيح، كما قال فخامتُه البارحة، أنّ مشكلةً عمرُها أكثرُ من نصف قرن، لن تنتهي بيوم أو يومين. ولكنّه صحيح أنّنا نتّكل على الله الّذي يريد خلاصنا، وأنّنا نعود فنقول عن فخامة الرئيس: “طلعته مثل حرمون، وهو مهيب كأرزه” (نش 5: 15)، في إشارة إلى كلمات الجماعة في سفر نشيد الأناشيد، كلمات عن القائد والمنقذ من الأزمات. ننظر الى فخامته قائدًا صلبًا، صاحب قضيّة وهدف، قائدًا يتكلّم مع الخارج وفق قناعاته الوطنيّة، وعينه على وحدة الداخل، بدون أن يسمح للداخل بإعاقة ما قد يعود بالخير على الوطن من خلال الكلام مع الخارج. رجاؤنا كبير أنّ هذه الصلابة وهذه القيادة وهذا الاتكال على الله، هذه الصفات المقرونة بالقيم والطيبة، سوف توصل سفينة لبنان إلى ميناء الأمان”.
وتوجه الى السيّدة الأولى قائلا: “نرجوك أن تنقلي الى فخامته كلّ محبّتنا وكلّ صلاتنا من أجله. ونرجوك أن تقبلي منّا، أنت أيضًا يا حضرة السيّدة الأولى، شكرنا الجزيل على حضورك اليوم بيننا، والشكر المضاعف على الدور الّذي تلعبينه، بكلّ جدارة ورقيّ، ومحبّة. إنّك، بكلّ ذلك، ترفعين اسم لبنان عاليًا وتسمحين لنا، كلبنانيّين، بالافتخار بك كسيّدة أولى في وطننا. إنّنا نفتخر بكما، انت وفخامة الرئيس بانفتاحكما على السماء، من خلال حياتكما، ومن خلال زياراتكما الى مزارات القديسين في عنايا، وحريصا، وجربتا، وكفيفان، وأماكن كثيرة أخرى، زيارات تعبّران من خلالها عن الاتكال على الله وعلى محبّته في مسيرتكما”.
وتابع: “إنّنا اليوم مجتمعون بفضل مساحة المحبّة التي تشكّلها رهبانيّة الراهبات اللبنانيّات المارونيّات. إنّ أديارهنّ هي واحات صلاة وواحات تأمّل واتصال دائم بالله. لهنّ الشكر، من كلّ القلب، على شهادتهنّ الرُّهبانيّة وعلى تنظيمهنّ هذا الاحتفال. أودّ أيضًا شكرهنّ، بشكل خاصّ اليوم، على أنّ هذا الدير، دير مار يوسف – جربتا، ضريح القديسة رفقا، هو موقع روحيّ وواحة سماويّة بامتياز، وعلى أنّه موقع راقٍ يُظهر لكلّ زائر وجهَ لبنان الحضاريّ. نحن نفتخر أنّنا من جذع واحد، وأنّ تاريخنا واحد، ولو أصبحنا لاحقًا رهبانّيتَين. فرحنا كبير أنّنا نكمل المسيرة معًا، بكلّ أمانة لروح المؤسّسين وللروحيّة التي طبعت تاريخنا. لذا، أتوجّه، باسم الجميع، إلى حضرة الأمّ العامّة دولي شعيا الجزيلة الاحترام، مع مجمع الرئاسة العامّة، ومن خلالها إلى جميع الراهبات، بأحرّ التهاني بمناسبة هذا اليوبيل المبارك. إنّ الأم دولي شعيا التي تخدم كلمة الله بشكل مميّز معروفة بجدّيّتها والتزامها وعطائها، هذه المزايا التي تنعكس اليوم في برنامج اليوبيل وفي اجوائه. معها، أودّ أن أخصّ حضرة الأمّ راغدة أنطون، رئيسة دير مار يوسف – جربتا، مع جمهور الراهبات، لأنّ عملهنّ وحضورهنّ قرب الضريح مميّز. وأخصّ أيضًا بالذكر، لأنّهم، وبشكل خاصّ، شهود على استمراريّة تاريخ رهبانيّتَينا المشترك، حضرة الآباء الرهبان مرشدي أديار الراهبات، خاصًّا حضرة الأب الرئيس الياس الجمهوري مرشد الرهبانيّة، وحضرة الأب ميشال اليان مرشد دير مار يوسف جربتا. كما أريد أن أذكر حضرة الأب بولس قزي، مرشد دير مار يوسف – جربتا السابق، لأنّه، يوم كان طالب دعاوى القديسين في الرهبانية، هو الذي أمسك بملف اعلان قداسة رفقا واوصله الى خواتيمه السعيدة سنة 2001. في تلك السنة، كنت لا أزال راهبًا كاهنًا دارسًا في روما، فتستطيعون التفكير كيف تحملني الذكريات اليوم الى تلك الفترة.
لم يكن هذا الاحتفال لينجح لولا مساحة المحبّة التي شكّلها كثيرون تعبوا في شتى المجالات. فلهم جميعِهم، جميعِهم، الشكر والصلاة. وأتوجّه أيضًا إلى مساحة المحبّة التي يشكّلها المحسنون إلى هذا الدير والى رهبانيّة الراهبات اللبنانيّات المارونيّات، لأنّهم يشهدون بأنّ ما لدينا من خيرات على الأرض بركة، وهي كذلك خصوصًا عندما نشهد، أيضًا من خلال الخيرات، أنّ الأرض مفتوحة هي صوب السماء.
إنّ القداسة هي مساحة المحبّة التي لا تنضب، وكم نحن موضوع محبّة الله التي تعطينا قديسين وقديسات مثل القديسة رفقا.”
وختم الاباتي محفوظ: “في هذا اليوبيل، نستمطر الغفران ونسأل البركة والشفاعة من القديسة رفقا. اليوم، نبدأ يوبيل سوف يختتم مع بداية يوبيل ثانٍ، هو يوبيل الخمسين على إعلان قداسة مار شربل، في ٩ تشرين الأول ١٩٧٧. فتنجلي، مرة جديدة، بركات السماء علينا، بركات تبدّد الظلام، لأنّها مضاءة، ساطعة، على الدوام، مساحاتِ المحبّة”.

