Categories: أخبار

“الأضحى” بين قاموسين… عيدٌ يبحث عن لغة مشتركة

في صباح العيد، قبل أن تمتلئ الطرقات بالزيارات العائلية وقبل أن ترتفع أصوات التكبير من المساجد، كان رجلٌ جنوبي يقف أمام شاشة هاتفه يقلب صور منزله القديم. صورة للمطبخ، وأخرى لشجرة ليمون زرعها قبل سنوات، وثالثة لمدخل البيت الذي لم يعد يعرف إن كان ما يزال قائمًا كما تركه أم لا.

في الجهة الأخرى من البلاد، كانت أمٌّ تراجع لائحة مشتريات قصيرة داخل متجر صغير. تحسب الأسعار أكثر مما تنظر إلى الأغراض نفسها. تستبعد شيئًا وتعيد آخر، قبل أن تهمس لابنها: “منجيب هيدا السنة… والباقي المرة الجاي”.
وبين هذين المشهدين، يدخل عيد الأضحى إلى لبنان.
لكن العيد هذه المرة لا يصل كما كان يصل دائمًا، ولا يحمل فقط رائحة القهوة الصباحية، ولا أصوات الأطفال بملابسهم الجديدة، ولا حركة الأسواق المعتادة.
يأتي مثقلًا بأسئلة أكبر من تفاصيله اليومية.
يأتي فوق بلدٍ استهلكته السنوات الأخيرة حتى صار اللبنانيون يختلفون على أشياء كانوا يعتبرونها يومًا بديهيات؛ الوطن، والخسارة، وحتى معنى التضحية نفسها.
لطالما ارتبط عيد الأضحى بفكرة الفداء، بقصة الإنسان الذي يقدّم ما يحب إيمانًا بمعنى أكبر من ذاته. لكن فكرة التضحية لم تكن حكرًا على رواية واحدة. ففي الإسلام، ارتبط العيد بقصة النبي إبراهيم واستعداده للتضحية بابنه امتثالًا لأمر الله، قبل أن يكون الفداء بذبح عظيم. وفي المسيحية أيضًا تحضر فكرة الفداء بصورة مختلفة، من خلال الإيمان بتضحية السيد المسيح بنفسه من أجل خلاص البشرية. تختلف الروايات والسياقات، لكن المعنى بقي متشابهًا: أن يقدّم الإنسان شيئًا من ذاته أو مما يحب، في سبيل معنى يراه أكبر من نفسه.

لكن هذه المرة، تبدو الحكاية أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.
ففي الجنوب، حيث تبدو الحرب أحيانًا كأنها حالة مناخية أكثر منها حدثًا استثنائيًا، يتعامل كثيرون مع التضحية باعتبارها جزءًا من الحياة اليومية. هناك من فقد منزله، أو ابتعد عن قريته، أو خسر موسمًا زراعيًا كاملًا، لكنه لا يزال يرى في البقاء شكلًا من أشكال الدفاع عن المعنى.
بالنسبة لكثيرين هناك، لا تختصر الأرض بحدود جغرافية. فالأرض ذاكرة أيضًا، أسماء، قبور، وطفولة. وجوه يعرفونها جيدًا، ولذلك يصبح التخلي عنها أقرب إلى التخلي عن جزء من الذات.

لكن على بعد عشرات الكيلومترات فقط، تبدو الصورة مختلفة.

في بيروت ومدن أخرى، ينظر جيلٌ كامل إلى كلمة “التضحية” بشيء من الحذر. ليس لأنهم يرفضون معناها، بل لأنهم يشعرون أنهم دفعوا أثمانًا كثيرة أصلًا. جيل خسر سنواته الجامعية تحت ضغط الأزمات، شاهد مدخراته تتبخر، ورأى أصدقاءه يغادرون تباعًا نحو بلدان أخرى بحثًا عن حياة أكثر استقرارًا.

بالنسبة لهؤلاء، لا تبدو التضحية في أن يخسر الإنسان نفسه باستمرار، بل في أن يحافظ على قدرته على البقاء. أن يصنع حياة طبيعية داخل بلد لم يعد طبيعيًا منذ زمن.

هنا يبدأ الخلاف الحقيقي.
ليس خلافًا حول الوطن بقدر ما هو خلاف حول الطريق إليه.
هل حماية الوطن تعني الدفاع عن الأرض مهما كان الثمن؟ أم أن حماية الوطن تبدأ بحماية الإنسان نفسه؟ هل يصبح الصمود قيمة مطلقة حتى لو تحوّل إلى استنزاف طويل؟ أم أن الكرامة اليومية، في العمل والتعليم والحياة، شكلٌ آخر من أشكال المقاومة؟

لا يملك اللبنانيون إجابة واحدة.
وربما لهذا السبب يبدو عيد الأضحى هذا العام مختلفًا.

فالناس لا يختلفون فقط على السياسة أو على تفسير الأحداث، بل على اللغة نفسها التي يصفون بها خسائرهم وآمالهم. حتى كلمة “تضحية” التي بدت لسنوات طويلة واضحة ومفهومة، أصبحت اليوم تحمل معاني متعددة، وأحيانًا متناقضة.
ومع ذلك، وسط هذا كله، هناك شيء واحد لم يتغير.

صباح العيد سيخرج الآباء مع أطفالهم، ستفتح بعض المحال أبوابها، ستُرسل رسائل المعايدة المعتادة، وستحاول الأمهات خلق مساحة صغيرة للفرح، حتى لو كان الفرح نفسه يمر بأوقات صعبة.
ربما لأن اللبنانيين، رغم كل شيء، يمتلكون قدرة غريبة على تأجيل الانكسار.
وربما لأنهم، بعد كل هذه السنوات، لم يعودوا يبحثون فقط عن معنى للتضحية.
لأنهم، رغم كل ما مرّ عليهم، ما زالوا يحتفظون بعادة قديمة جدًا: أن يصنعوا مساحة للحياة حتى في أكثر اللحظات قسوة.
وربما هذه، أكثر من أي شيء آخر، هي التضحية التي لا يتحدث عنها أحد…

المصدر: Lebanon24

News Desk

Share
Published by
News Desk

Recent Posts

تقرير أميركي يتحدث عن معادلة جديدة: “حزب الله” مقابل هذه الدولة

ذكر موقع "Substack" الأميركي أنه "على الرغم من وقف إطلاق النار والتقدم المبدئي نحو توقيع…

دقيقة واحدة ago

بغارة إسرائيلية قرب مركزه.. الجيش ينعى المجند صالح سوني

والشهيد من مواليد 5 أيلول 2004 في بلدة المحيدثة – راشيا، وقد حاز تهنئة العماد…

دقيقتان ago

إستهداف سيارة على طريق كفررمان – الجرمق مرّتين

أفادت مندوبة "لبنان 24"، أنّ طائرة مسيّرة إسرائيليّة استهدفت سيارة على طريق كفررمان - الجرمق.…

14 دقيقة ago

بالفيديو – حركة النزوح من مدينة صور عقب التهديدات

  View this post on Instagram       A post shared by al jadeed…

29 دقيقة ago

الحزب في مئوية الدستور: تطوير النظام ممكن… لكن بضمانات تحفظ التوازنات

في الذكرى المئوية للدستور ، لم يقدّم حزب الله مجرد موقف سياسي ، بل أطلق…

31 دقيقة ago

استشهد في “غارة سد القرعون”… الجيش نعى العسكريّ صالح محمد سوني

صدر عن قيادة الجيش البيان التالي:   تنعى قيادة الجيش – مديرية التوجيه المجند (مددت…

35 دقيقة ago