1 مايو 2026, الجمعة

الأول من أيار في لبنان… مناسبة مثقلة بالأزمات

Doc P 1519838 639132110043063688
يحلّ عيد العمال العالمي اليوم الجمعة في الأول من أيار ، فيما يعيش العامل اللبناني واحدة من أصعب المراحل الاقتصادية والاجتماعية في تاريخ البلاد. فبدل أن يكون هذا اليوم مناسبة للاحتفال بالحقوق المكتسبة والإنجازات المهنية، بات عند كثيرين محطة للتذكير بحجم المعاناة التي فرضتها الأزمات المتلاحقة، من الانهيار المالي إلى الغلاء المعيشي، وصولاً إلى تداعيات الحرب الأخيرة وما خلّفته من خسائر مباشرة وغير مباشرة على سوق العمل.

في السنوات الماضية، تراجعت القدرة الشرائية للأجور بشكل كبير، بعدما فقدت الرواتب قيمتها الفعلية أمام ارتفاع الأسعار المستمر. وأصبح العامل اللبناني عاجزاً في كثير من الأحيان عن تأمين أبسط متطلبات الحياة من غذاء وطبابة وتعليم ونقل، حتى لمن يمتلك وظيفة ثابتة. أما العامل الذي يتقاضى الحد الأدنى من الأجور، فبات يواجه تحديات يومية تجعله بين خيارين أحلاهما مرّ: الاستمرار في العمل في مقابل دخل لا يكفي، أو ترك الوظيفة والدخول في دوامة البطالة.

إلى جانب الأزمة الاقتصادية، جاءت الحرب الأخيرة لتضيف أعباء جديدة على العمال والمؤسسات معاً. فقد تضررت قطاعات عدة، ولا سيما السياحة والتجارة والخدمات، كما أقفلت مؤسسات أبوابها أو خفّضت عدد موظفيها نتيجة تراجع الحركة الاقتصادية وعدم الاستقرار الأمني. كذلك اضطر كثير من العمال إلى النزوح من مناطقهم أو التغيب عن أعمالهم بسبب الظروف الطارئة، ما أثّر مباشرة في دخلهم واستقرارهم المهني.

يقول محمد، وهو موظف في إحدى الشركات الخاصة في بيروت، إن عيد العمال لم يعد يحمل أي معنى بالنسبة إليه. ويضيف: “نعمل ساعات طويلة، لكن الراتب يذوب قبل منتصف الشهر. بين بدل النقل، وفاتورة الكهرباء، وأسعار السوبرماركت، لم يعد هناك أي قدرة على الادخار أو حتى التنفس”. ويشير إلى أن الضغط النفسي أصبح جزءاً من يوميات الموظفين، في ظل الخوف من خسارة الوظيفة في أي لحظة.

أما رنا، وهي عاملة في متجر لبيع الملابس، فتوضح أن العمل تراجع كثيراً في الأشهر الأخيرة، ما انعكس على المبيعات والعمولات. وتقول: “في السابق كنا ننتظر المواسم والأعياد لتحسين الدخل، أما اليوم فالناس تشتري الضروري فقط، ونحن ندفع الثمن”.

من جهة أخرى، لا تقتصر الأزمة على العمال وحدهم، بل تشمل أصحاب المؤسسات أيضاً. وأكد محمد بيرم صاحب شركة صغيرة تعمل في مجال الخدمات، أن الاستمرار أصبح مهمة شاقة. ويقول: “نحاول الحفاظ على الموظفين لأنهم أساس العمل، لكن الكلفة التشغيلية ارتفعت بشكل كبير، من اشتراكات المولدات إلى الضرائب والرسوم وأسعار المواد. في المقابل، تراجع الطلب، وأصبح هامش الربح شبه معدوم”. ويضيف أن كثيراً من أصحاب الأعمال باتوا بين خيار الإقفال أو تقليص حجم المؤسسات.

وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي اسماعيل عكاوي أن أزمة العمال في لبنان ترتبط بغياب خطة إنقاذ شاملة تعيد تحريك الاقتصاد وتحمي اليد العاملة. ويشير إلى أن المطلوب اليوم ليس فقط تصحيح الأجور، بل أيضاً ربط الرواتب بمؤشر غلاء المعيشة، بحيث لا تبقى الأجور ثابتة فيما الأسعار ترتفع بشكل متواصل. كما يؤكد ضرورة تفعيل أجهزة الرقابة على المؤسسات التي لا تلتزم بدفع المستحقات القانونية أو تلجأ إلى صرف الموظفين تعسفياً.

ويضيف عكاوي أن من الضروري أيضاً دعم القطاعات الإنتاجية، ولا سيما الصناعة والزراعة والتكنولوجيا، لأنها قادرة على توفير فرص عمل مستدامة بدل الاعتماد فقط على القطاعات الخدماتية الموسمية. كذلك يشدد على أهمية تطوير برامج التدريب المهني والتقني، بما يتيح للعمال اكتساب مهارات جديدة تتلاءم مع حاجات السوق المتغيرة.

كما يرى أن تحسين خدمات النقل العام يخفف عبئاً كبيراً عن الموظفين الذين يستهلكون جزءاً كبيراً من رواتبهم على التنقل، إلى جانب ضرورة تعزيز الضمان الاجتماعي وتوسيع التغطية الصحية. ويختم بأن إنقاذ العامل اللبناني يبدأ باستعادة الثقة بالدولة والمؤسسات، لأن أي اقتصاد لا يمكن أن ينهض فيما العامل يعيش في قلق دائم على مستقبله.

عيد العمال هذا العام يمرّ في لبنان بصمت ثقيل، بعيداً من الاحتفالات والشعارات التقليدية. فالعامل اللبناني لا يطالب بالكثير، بل يسعى إلى حقه الطبيعي في راتب عادل، وبيئة عمل مستقرة، وحياة كريمة تحفظ تعب السنين. وبين الأزمات المتراكمة والواقع الصعب، يبقى الأمل بأن يتحول الأول من أيار في السنوات المقبلة من مناسبة للحزن والشكوى، إلى يوم حقيقي لتكريم من يحملون على أكتافهم اقتصاد الوطن.

 
المصدر: خاص لبنان24

المصدر: Lebanon24