دافع الجانب الحكومي اللبناني عن خيار التفاوض مشدّداً على أنه “ليس ضعفاً ولا تراجعاً ولا استسلاماً ولا تنازلاً ولا تفريطاً بأي حقّ”. وليس واضحاً ما إذا كانت هذه اللاءات تستقيم في ميزان دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو لتكون، كما يراد لها لبنانياً، “إحقاقاً للعدالة”. نال رئيس الوزراء الإسرائيلي ما أراده باعتراف “مذكرة التفاهم” مع لبنان بأن وقف الأعمال العدائية “لا يقيّد حقّ إسرائيل في اتخاذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن النفس، في أي وقت، ضد الهجمات المخطط لها أو الوشيكة أو الجارية”، لكنه يقيّد “أي عمليات إسرائيلية ضد أهدافٍ حكومية (لبنانية)”. ولأن المشكلة كانت ولا تزال، منذ انتهاء حرب 2024، في توظيف إسرائيل لذلك “الحقّ” المعترف لها به أميركياً، فإن ترامب وجد من الضرورة التنبيه إلى أن واشنطن تعمل الآن “بشكلٍ منفصل” مع لبنان، وأنها “تحظر على إسرائيل قصف لبنان”.
إذا صدق هذا “الحظر” وثبتت جدّيته، فإنه قد يعني أن واشنطن أدركت أخيراً، ومتأخّرةً، أن نجاح أي تفاوضٍ لبناني – إسرائيلي لن يتحقّق بمبدأ “فرض السلام بالقوّة”، بل يجب أن يمرّ عبر احترام الدولة اللبنانية، وليس بالتضييق عليها وإحراجها أمام إيران و”حزبها”. فالطريقة التي نفّذ بها الإسرائيليون “حقّ الدفاع عن النفس”، والدعم الأميركي غير المشروط لها، وعرقلة دعم الجيش اللبناني، أدّت إلى تهميش الدولة وإضعافها فيما كان “الحرس” الإيراني يرمّم قوّة “حزبه”، ما أفضى إلى “حرب إسناد إيران” وإتاحة الفرصة لإسرائيل كي تنشئ ما تسميها “منطقة أمنية عازلة” لن تتخلّى عنها، وإذا ارتضت تقليصها نتيجة التفاوض فإنها ستفعل لقاء شروطٍ صعبة وتعجيزية.
مدى عقود، حرصت الولايات المتحدة وإسرائيل على أن يكون تسليح الجيش اللبناني في حدٍّ أدنى، لئلا يشكل خطراً على إسرائيل. لكنهما تركتا إيران تنشئ في لبنان ميليشيا تحوّلت لاحقاً “جيشاً (أقوى) موازياً”، وصارت إسرائيل تعتبرها تهديداً لأمنها وتتخذها ذريعةً لحروبها. الهدف من فصل لبنان عن إيران واضح، وعلى واشنطن توضيح المراد من التفاوض اللبناني – الإسرائيلي: إذا كان “السلام” فإن للسلام متطلّباتٍ معروفة، والتفاوض – “بحسن نية” – يقضي بألا تستولي إسرائيل بالقوة على أي أراضٍ لبنانية، فإذا انسحبت تنتفي علة وجود “حزب إيران” في لبنان، وإذا عاندت فتثبت أنها لا تستطيع العيش إلا في حروبٍ دائمة.

