وفي هذا الاطار كتبت دوللي بشعلاني في”الديار”: تسعى واشنطن هذه المرّة، على ما تؤكّد مصادر سياسية مطلعة، إلى محاولة بناء واقع أمني “security track” جديد طويل الأمد جنوب لبنان، مختلف عمّا كان قائماً بعد القرار 1701، معتبرة أنّ الحرب الأخيرة فتحت فرصة لإعادة صياغة قواعد الاشتباك، والانتشار العسكري على الحدود.
فما الذي سيُبحث في البنتاغون يوم الجمعة في 29 الجاري؟ تقول المصادر بأنّ هناك جدول عمل أمني يتضمّن خمس نقاط أساسية:
1- تثبيت وقف إطلاق النار الممدّد وآليات مراقبته.
2- تعزيز انتشار الجيش اللبناني في الجنوب، وتحويله عملياً إلى القوة الأمنية الأساسية في المنطقة.
3- آلية مراقبة السلاح، ومنع إعادة بناء البنية العسكرية التابعة لحزب الله، مع تشديد الرقابة على الحدود.
4- إنشاء آلية تنسيق أمني غير مباشر بإشراف أميركي، تشمل قنوات إتصالميدانية، لمنع التصعيد واحتواء أي خروقات بسرعة.
5- البحث في الانسحابات “الإسرائيلية” التدريجية، وربطها بخطوات أمنية لبنانية مقابلة. وتشير التقارير إلى أنّ الوفود ستكون ذات طابع عسكري – أمني أكثر من كونها سياسية، مع وجود مباشر للبنتاغون ووزارة الخارجية الأميركية في الرعاية والمتابعة.
ولكن ما هي الشروط والشروط المتبادلة لكلّ من الأطراف المعنية، تجيب المصادر السياسية بأنّ أميركا و”إسرائيل” تطالبان عملياً بثلاثة شروط مركزية:
1- إبعاد حزب الله عسكرياً من الجنوب، مع رقابة صارمة على إعادة بناء بنيته العسكرية والصاروخية.
2- توسيع دور الجيش اللبناني، واحتكار السلاح بيد الدولة، مع دعم مالي وتقني وعسكري إضافي للجيش.
3- ترتيبات أمنية دائمة، ومراقبة ميدانية أكثر فعالية تشمل: مراقبة جوية وتقنية، تنسيقاً أمنياً غير مباشر، وضمانات أميركية للتدخّل السريع عند أي خرق. كما تسعى “إسرائيل” إلى تثبيت “منطقة أمنية واقعية” على الحدود، حتى لو لم تُعلن رسمياً بهذا الاسم.
في المقابل، يتمسّك لبنان الرسمي، وفق المصادر، بمعادلة مختلفة تقوم على مبدأ “التزام متبادل” لا خطوات آحادية. وتتمثّل الشروط الأساسية في:
• وقف كامل للغارات والخروقات “الإسرائيلية”.
• إنسحاب “إسرائيلي” تدريجي من المناطق التي تقدّمت إليها القوات “الإسرائيلية”.
• ربط أي ترتيبات أمنية بجدول زمني واضح.
• دعم الجيش اللبناني مالياً ولوجستياً.
• رفض تحويل الترتيبات الأمنية إلى اتفاق سياسي أو تطبيع مباشر.
ولكن ما هو موقف الرئيس بري، تجيب المصادر بأنّه يتعامل بحذر شديد مع هذا المسار، ولا يرفض الترتيبات الأمنية من حيث المبدأ، لكنه يرفض تحويلها إلى مسار تطبيع، وأي نقاش علني مباشر حول نزع سلاح حزب الله تحت الضغط العسكري. ولذلك يتمسّك بأن يبقى التفاوض غير مباشر، وبرعاية أميركية، وتحت سقف وقف إطلاق النار لا اتفاق السلام. في حين ينظر حزب الله نفسه إلى هذه الترتيبات، ولذلك يرفض، بحسب المصادر، أي صيغة تؤدي إلى نزع سلاحه، أو إخراجه من المعادلة الأمنية الجنوبية بالكامل.
وكتب الان سركيس في”نداء الوطن”:
لم تكن جلسات التفاوض التي عُقدت الخميس والجمعة عادية. سبع ساعات ونصف الساعة في اليوم الأول، وست ساعات ونصف الساعة في اليوم الثاني، في مؤشر واضح إلى أنّ الملف اللبناني دخل مرحلة مختلفة ومقاربة تختلف عن سابقاتها. خرج معظم ما جرى تداوله إلى العلن، لكن الجزء الأكثر حساسية بقي بعيدًا من التداول، وتؤكد المعلومات أن تفاصيل أساسية لا تزال في عهدة القصر الجمهوري، فيما يتولى رئيس الجمهورية جوزاف عون إدارة هذا الجزء من المفاوضات بالتنسيق مع القوى السياسية المعنية، وسط تكتم شديد يحيط ببعض البنود التي لم يحن وقت كشفها بعد، خصوصًا تلك المرتبطة بالشقين الأمني والعسكري. وتكشف أوساط مواكبة للمفاوضات لـ “نداء الوطن” أن صورة الوضع ليست مريحة، وأن الرهان الفعلي لم يعد على الداخل اللبناني بقدر ما بات على مسار التطورات الإقليمية، وتحديدًا ما سيؤول إليه الملف الإيراني. فبحسب الأوساط، فإنّ “حزب الله” لا يزال يربط حساباته بالكامل بطهران، وأي اتفاق لا ينسجم مع السقف الإيراني سيبقى معرّضًا للاهتزاز أو التعطيل في أي لحظة. لذلك، يبدو واضحًا أنّ لبنان دخل عمليًا مرحلة الانتظار الإجباري لما ستقرره واشنطن حيال إيران، في ظل اقتناع دولي بأن المرحلة الحالية لا يمكن أن تستمر طويلا بالشكل القائم. وفي هذا السياق، تتحدث المعطيات المستقاة من واشنطن عن أنّ قرار الحسم في الملف الإيراني يقترب تدريجيًا، لأنّ استمرار الوضع الحالي لم يعد قابلا للاستمرار، لا بالنسبة إلى الاقتصاد العالمي ولا بالنسبة إلى الأمن الإقليمي. وتؤكد المعلومات أنّ الأسابيع المقبلة ستكون مفصلية، مع ارتفاع الحديث داخل الدوائر الأميركية عن احتمال الانتقال إلى مرحلة مختلفة في التعامل مع طهران، سواء عبر تسوية كبرى أو من خلال ضربة عسكرية تبقى احتمالاتها قائمة بقوة، خصوصًا في ظل التصعيد المتواصل في أكثر من ساحة إقليمية مترابطة. لكنّ التطور الأبرز في الجلسات الأخيرة للتفاوض لم يكن سياسيًا فقط، بل عسكريًا أيضًا. إذ تكشف المعلومات أن الاتفاق الذي تم على عقد اجتماع عسكري في البنتاغون في 29 أيار المقبل هو خطوة تعكس انتقال الملف اللبناني إلى مستوى مختلف من المتابعة الأميركية، وخصوصًا أن واشنطن باتت تتعامل مع الوضع جنوبًا باعتباره جزءًا من الأمن الإقليمي لا مجرد ملف حدودي محلي.
وكتبت لارا يزبك في” نداء الوطن”:كان يُمكن للمفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية أن تستمر في واشنطن، بالصيغة نفسها التي اعتُمدت في الجولتين الأولى والثانية والتي تمّ تعزيزها في الجولة الثالثة بانضمام السفير السابق سيمون كرم إليها كرئيس للوفد اللبناني. غير أن الراعي الأميركي، وحرصًا منه على إنجاحها، فضَل ألّا يكتفي بمحادثات “سياسيّة” الطابع تتطرق إلى نقاط النزاع الكثيرة بين بيروت وتل أبيب، وذهب نحو فتح قناة اتصال “عسكري” بحت بين الجانبين، برعايته، ستشهد أول حركة على خطها في 29 الجاري في البنتاغون. هذه الخطوة، بحسب ما تقول مصادر دبلوماسية غربية لـ “نداء الوطن”، ليست وليدة الصدفة، بل درس الوسيط الأميركي جيدًا أبعادها والأهداف، قبل طرحها. انطلاقًا من هنا، قررت واشنطن إطلاق بحث “نوعي”، شكلا ومضمونًا، في طروحات تطلق عمليًا مسار نزع السلاح، وتنقله مِن “نوايا” لبنانية رسمية، إلى خطوات حسّية على الأرض.
الأميركي يريد أن تُنفَّذ عملية حصر السلاح، بأياد لبنانية، وأن يكف آلة القتل الإسرائيلية عن لبنان وأرضه وناسه. غير أن السؤال الأبرز يبقى: هل ستتعاون الدولة اللبنانية وجيشها مع هذا المسار العسكري وتنخرط فيه جديًا، وحتى النهاية، كما هي منخرطة في مسار المفاوضات السياسية الدبلوماسية المباشرة؟

