Categories: أخبار

التفاوض مع إسرائيل… العقدة في الداخل لا في تل أبيب

على رغم الموقف المبدئي، الذي يعلنه رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون من قضية المفاوضات المباشرة مع إسرائيل بهدف وضع حدّ لمأساة لبنان الشديدة التعقيد، فإن بعض المقربين من الرئاسة الأولى يؤكدون أن كل خطوة قد تقدم عليها رئاسة الجمهورية ستكون مشبعة درسًا وتمحيصًا وتدقيقًا، باعتبار أن المرحلة التي يمرّ بها لبنان هي في غاية الخطورة والحساسية، وبالتالي فإن أي خطأ في التقدير قد تكون له أثمان سياسية وأمنية خطيرة، وقد تمتد مفاعيلها السلبية لسنوات طويلة. ولكن هذا لا يعني، على حدّ ما يقوله هذا البعض، التردّد وعدم الاقدام وحسم الأمور في شكل براغماتي وجذري، إذ ثمة فرق واضح بين التهوّر والاقدام تمامًا كما هو الفرق بين الانجرار وراء الغرائز وبين ضرورات تحكيم المنطق والحكمة والمشورة.
وفي هذا الإطار فإن أي لقاء بين رئيس الجمهورية، وإن كان الدستور يكرّس له حق التفاوض وحده دون سائر المسؤولين الآخرين، والرئيسين نبيه بري، بصفتيه الرسمية والحزبية، ونواف سلام، سيكون حتمًا لتصليب الموقف اللبناني الرسمي التفاوضي، وإن كان موقف رئيس مجلس النواب من مسألة التفاوض المباشر مع إسرائيل واضح المعالم، وهو يتماهى مع الموقف الذي أعلنه الأمين العام لـ “حزب الله” الشيخ نعيم قاسم برفضه هذه الصفة في شكل قاطع وغير قابل للأخذ والردّ.
من هنا، فإن الصفة التشاورية بين الرؤساء الثلاثة لن تكون مفاعيلها ملزمة لرئيس الجمهورية بقدر ما هي محصّنة لموقف صادر عن قناعة تامة بأن منطق الحرب لم يجلب على لبنان سوى الموت والدمار والخراب والتهجير وإعادة لبنان سنوات إلى الوراء، وهو الذي كان في حاجة إلى أي “دفشة” إلى الأمام لكي يطلع من الحفرة الاقتصادية، التي كان غارقًا فيها. فالذهاب إلى التفاوض، سواء أكان مباشرًا أو بالواسطة، ليس ترفًا أو خيارًا، بل هو نتيجة لحربين أعلنهما “حزب الله”، الأولى لمساندة غزة، والثانية ثأرًا لاغتيال المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران السيد علي خامنئي. ولو لم ينجر لبنان، غصبًا عنه، ومن دون أن يكون له فيهما رأي أو مشورة، إلى هاتين الحرين، لما كان مجبرًا على أن يفاوض دولة تُعتبر عدوة.
وعلى خلفية الدور الذي لعبه الرئيس بري في المفاوضات غير المباشرة مع الإسرائيليين لترسيم الحدود البحرية، وفي الاتفاق الأول لوقف إطلاق النار، الذي أبصر النور في 27 تشرين الثاني من العام 2024، فإن اللقاء الثلاثي في القصر الجمهوري، والذي لا تزال ظروف عقده غير مكتملة، سيكون له التأثير المباشر على قرار التفاوض المباشر بين بيروت وتل أبيب، من حيث تحصينه وتصليبه، أقّله في الشكل قبل الحديث عن المضمون، باعتبار أن المضمون متروك إلى حين اكتمال الصورة النهائية، التي ستكون عليها تلك المفاوضات.
وفي اعتقاد أوساط سياسية مطّلعة، ان ما يُطرح اليوم داخل الكواليس الرسمية لا يقتصر فقط على شكل التفاوض أو طبيعته، بل يتعدّاه إلى كيفية منع تحوّل هذا الملف إلى شرارة انقسام داخلي جديد، وخصوصًا مع الموقف الحاد الذي يعلنه “الثنائي الشيعي” من مسألة إعطاء أي تفاوض مع إسرائيل صفة “المباشر”. ولهذا السبب تحديدًا، تبرز في الكواليس دعوات إلى ضرورة إشراك الطرف الشيعي، ولو بصورة غير مباشرة، في عملية التشاور السياسي التي تسبق اتخاذ أي قرار نهائي، تفاديًا لوضع البلاد أمام اهتزاز سياسي أو أمني في لحظة شديدة الحساسية.
وتشير هذه الأوساط إلى أن رئيس الجمهورية يدرك تمام الإدراك أن أي خطوة من هذا النوع لا يمكن أن تنجح إذا ما ظهرت وكأنها تستهدف مكوّنًا أساسيًا في البلد أو تتجاوز هواجسه السياسية والوطنية، مهما بلغت حدة الخلاف القائم اليوم بين “بعبدا” و”حارة حريك”. ولذلك، فإن الاتصالات الجارية بعيدًا من الأضواء لا تهدف فقط إلى تأمين غطاء دستوري أو سياسي لمسار التفاوض، بل أيضًا إلى محاولة إنتاج حدّ أدنى من التفاهم الداخلي يمنع انفجار التناقضات دفعة واحدة.
وفي هذا السياق، يُنظر إلى الرئيس بري باعتباره نقطة الارتكاز الأساسية في أي عملية تشاور من هذا النوع، ليس فقط بحكم موقعه الدستوري، بل أيضًا بسبب قدرته على تدوير الزوايا وفتح قنوات التواصل بين الرئاسة الأولى و”حزب الله”. فالرجل الذي لعب سابقًا دورًا محوريًا في مفاوضات ترسيم الحدود البحرية، وفي التوصل إلى تفاهمات وقف إطلاق النار، لا يزال يُعتبر الشخصية الأكثر قدرة على إدارة التوازن الدقيق بين مقتضيات الدولة وحسابات “المقاومة”. إلاّ أن موقفه الأخير من كلام قاله الرئيس عون خلال لقائه الهيئات الاقتصادية لم يصبّ في خانة تقريب المسافات، خصوصًا أن “تكذيب” رئيس الجمهورية بهذا الشكل السافر يُعدّ سابقة من شأنها أن تثير بعض الحساسيات، التي كان من الممكن عدم إثارتها في هذا التوقيت بالذات. وهذا ما يقود البعض إلى القول بأن عقدة التفاوض ليست في تل أبيب بمقدار ما هي في الداخل اللبناني.

المصدر: Lebanon24

News Desk

Share
Published by
News Desk

Recent Posts

نقل الألوية.. مخرج تكتيكي مؤقت لإدارة الضغط لا حلا استراتيجيا

تعكس التطورات الأخيرة في الجنوب تحوّلًا مهمًا، حيث تتقدّم أدوات منخفضة الكلفة وعالية المرونة لتفرض…

6 دقائق ago

تعهّد سابق يمنع ترامب من فتح قناة مع حزب الله

كشفت مصادر دبلوماسية مطلعة أن الرئيس الاميركي دونالد ترامب كان قد أبدى في مرحلة سابقة…

21 دقيقة ago

دبوسي ترأس وفد لبنان إلى اجتماع اتحاد الغرف في مصر: نعمل على توثيق العلاقات لمواجهة التحديات

 ترأس رئيس غرفة التجارة والصناعة والزراعة في طرابلس والشمال توفيق دبوسي، الوفد اللبناني الذي ضمّ…

32 دقيقة ago

الفوسفور والسموم الكيميائية… هكذا تُدمر مقومات الحياة في الجنوب

لم تعد الحرب في جنوب لبنان تُقاس فقط بعدد الغارات أو حجم الدمار العمراني، بل…

36 دقيقة ago

عن دعوة عون للقاء نتنياهو.. بري: هل انتقلنا من عنجر الى عوكر؟

وأضافت نقلاً عن مصدر وزاري إنّه من الصعوبة على عون التوجه الى المفاوضات واجتماعه مع…

45 دقيقة ago

منخفض جوي ممطر بغزارة… وثلوج على الجبال العالية

يتأثّر لبنان بمنخفض جوي ممطر وبارد، مع عودة تساقط الثلوج مجددًا على ارتفاعات دون عتبة…

47 دقيقة ago