كتب جوني منير في” الجمهورية”: لبنان الذي يعيش حلاوة عسكرية وسياسية على وقع تأرجح المفاوضات الأميركية – الإيرانية، دخل في واقع معقد ومفتوح على مسارات عدة متداخلة، فالهدنة التي تفرضها إسرائيل بنحو واسع ومنكفئ وعنيف، تعزز الانطباع بأن الحرب قابلة للاشتعال مجدداً في أي لحظة ولا يبدو المشهد السياسي الداخلي أقل خطورة لا بل على العكس فالاشتباك بلغ حده بين رئيس الجمهورية و«حزب الله»، فللمرة الأولى منذ التسعينات هنالك مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، لبنان يطرح شروطاً أساسية تتعلق بوقف إطلاق النار وانسحاب إسرائيل وإطلاق الأسرى وإعادة الإعمار، في مقابل شروط أميركية تدمج أموراً نحو ترتيبات أمنية طويلة الأمد، وربما لاحقاً تفاهمات أوسع.
ووسط هذا الواقع، انفجر النزاع بين رئاسة الجمهورية وقيادة «حزب الله» هو ليس خلافاً عادياً، بل يعكس نزاعاً أعمق حول طبيعة الدولة اللبنانية ودورها في المرحلة المقبلة ورغم ذلك فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو مسار الاحتواء لا المواجهة، حيث يعاد ضبط الخلاف عبر الرئيس نبيه بري غالب الظن، قد يبقى الخطاب الإعلامي متوتراً، ولكن دون مستوى الانفجار وإعادة تنظيم الوضع السياسي. ذلك لأن الطرفين لا يريدان فتح جبهة داخلية في ظل التوتر الإقليمي والوضع الاقتصادي الداخلي الهش، فمسار التعطيل سيؤدي إلى تعطيل حكومي وشلل مؤسساتي، وسط حملات إعلامية متبادلة يشد حبال حول ملفات متفجرة مثل موضوع السلاح، مقابل العلاقة مع العواصم الغربية والخليجية. كما أن الجميع مدرك أن مسار التصعيد قابل للوصول إلى نقطة الانفجار وانتقال السدادات إلى الشارع وداخل المؤسسات الرسمية وهو سيناريو تبقى كلفته مرتفعة جداً على الجميع.
وفي أول تعليق لها على السجال الحاصل مع الرئيس عون اعتبرت مصادر «حزب الله» أن الخلاف مع رئيس الجمهورية هو حول نقطتين وهما: المفاوضات المباشرة والذهاب إلى تقديم تنازلات من دون الاستفادة من أوراق قوة يمكن طرحها في مفاوضات غير مباشرة، وتنفي هذه المصادر بشدة إمكانية الانزلاق في اتجاه صدام داخلي «هذا لن يحدث» وفق ما شددت عليه. ورداً على سؤال حول إمكانية حصول زيارة لموفد من قبل «حزب الله» إلى قصر بعبدا أجابت هذه المصادر اللقاء بحد ذاته ليس الهدف، إنما النتيجة التي يمكن أن تؤول من اللقاء»، وتابعت: «إذا رغب الرئيس وضع الأمور في إطار التهدئة وإعادة ترتيب الأوراق اللبنانية والاستفادة من عناصر القوة، سيحصل اللقاء، ولكن إذا جلسنا مع رئيس الجمهورية واستمرت الأوضاع على ما هي عليه والاكتفاء بالصورة فقط فالنتيجة ستكون أسوأ من دون شك». وتعليقاً على ما أشارت إليه الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية حول خطر اغتيال الرئيس عون اعتبرت هذه المصادر أن تفسير ذلك هو أن إسرائيل تحاول النفاذ عبر ثغرات الانقسام الداخلي الحاصل بهدف زيادة الشرخ بين اللبنانيين. في الواقع، فإن لبنان دخل مرحلة إعادة توازن بين سلطة تحاول تثبيت دور الدولة، و«حزب الله» الذي يحاول المحافظة على معادلته الحالية من هنا فإن التصادم المفتوح غير مرجح الآن، لكن الاحتكاكات المستمرة ستبقى قائمة، وقد تتحول تدريجياً إلى نزاع سياسي مفتوح في حال اشتدت المساومة على الجبهة الإيرانية وتغيرت المعادلة الإقليمية. وفي المحصلة، يمكن اختصار المرحلة بأنها تخضع لتوتر مضبوط، ولكن من دون كسر قواعد اللعبة.