في الحروب، تنحصر الأنظار عادة في جبهات المواجهة، لرصد الخرائط التي تتبدل وفق مسار الميدان، وحركة النزوح القسري التي تنتج عن الغارات والقصف. غير أن كلفة الحرب لا تتوقف عند الخطوط الأمامية أو القرى المدمّرة التي تُستهدف. فثمّة جبهة أخرى تتحمل جزءًا كبيرًا من الكلفة، جبهة أكثر التصاقًا بحياة الناس اليومية، تبدأ من المستشفى، ولا تنتهي عند شركات التأمين والضمان والصيدليات.
في ظل العدوان الراهن، تبدو هذه الجبهة أكثر حساسية من أي وقت مضى. فالبلد يواجه ضغط الحرب بمؤسسات صحية واجتماعية تعمل بالحد الأدنى من طاقتها، وتتوزع فيه الأعباء المالية بشكل مرهق بين الدولة والمستشفيات والجهات الضامنة والمواطن. ومع استمرار الاعتداءات وتمدد أمدها، يتجاوز السؤال قدرة الجنوب على الصمود، ليصل إلى مدى قدرة الدولة بأكملها على حماية “الأمن الصحي” للمواطنين قبل أن يتحول إلى ورقة ضغط إضافية.
من هنا، لا يمكن إدراج النقاش حول العلاقة بين القطاع الصحي وشركات التأمين والنقابات ضمن خانة الملفات التقنية أو الإدارية العابرة. فحين يطول النزف، تصبح صحة الإنسان خط الدفاع الأخير. وإذا تحول دخول المستشفى إلى كابوس مالي أو بيروقراطي، فهذا يعني أن الحرب نجحت في ضرب العمق الاجتماعي، حتى في المناطق البعيدة عن مرمى الغارات المباشرة.
الجبهة التي لا تظهر على الخريطة
رغم أن المستشفيات لا تظهر على خرائط العمليات العسكرية، فإنها تحمل الجزء الأكبر من “فاتورة” الحرب الخفية. فالحرب لا تفرز جرحى ومصابين فقط، وإنما تفرض ضغطًا على كل مريض يحتاج إلى جراحة عاجلة أو علاج دوري. وفي لبنان، حيث تتداخل شبكات التغطية بين الضمان الاجتماعي والتأمين الخاص ووزارة الصحة، يصبح أي خلل في هذه الشبكة تهديدًا مباشرًا لحياة الناس، خاصة في ظل تضخم الأسعار وتآكل القدرة الشرائية.
المشكلة أن الأزمة الصحية لا تندلع عند باب المستشفى فحسب. هي تبدأ في اللحظة التي يتردد فيها المريض في طلب العلاج خوفًا من الكلفة، أو عندما تدخل شركات التأمين في صراعات تقنية مع المستشفيات حول “التعرفات”. في هذه الحالة، يصبح المواطن الحلقة الأضعف، وتتحول المؤسسات الصحية من ملاذ للشفاء إلى ساحة اشتباك مالي، ما يحوّل الحرب من حدث أمني إلى حالة استنزاف اجتماعي شامل.
لهذا، فإن النقاش حول التنسيق بين شركات التأمين والقطاع الصحي يتجاوز مسألة التعرفات أو الفواتير. هو في جوهره نقاش حول معنى الدولة في زمن الحرب. فالدولة لا تُختبر ببيانات الإدانة أو قاعات التفاوض فحسب، وإنما في قدرتها على ضمان ألا يُترك المواطن وحيدًا أمام المرض والكلفة والانتظار. وإذا كان الأمن العسكري يحمي الجغرافيا، فإن الأمن الصحي هو الذي يمنع المجتمع من الانهيار الصامت تحت وطأة القلق والفقر.
الدولة بين المستشفى والمواطن
لا شك في أنّ ما يحتاجه لبنان في هذه المرحلة هو مسار وطني واضح يحدد مسؤوليات كل طرف، لا اجتماعات بروتوكولية تكتفي بتوصيف المشكلة من دون معالجتها. فالمستشفيات تحتاج إلى ضمانات سيولة لاستمرار الخدمة، وشركات التأمين بحاجة إلى قواعد واضحة كي لا تتحول العلاقة بينها وبين القطاع الصحي إلى شدّ حبال دائم، والمواطن يحتاج قبل كل شيء إلى يقين بأن حقه في العلاج لن يكون ضحية الخلاف بين هذه الجهات.
خطورة اللحظة تكمن في أن المرض لا يمتلك ترف الانتظار، ولا يمكن للمريض أن يرهن علاجه بمسار الهدنة أو المفاوضات السياسية. وهذا يعني أن الصحة قد تتحول، إذا طال أمد العدوان، إلى واحدة من أكثر جبهات الضغط الاجتماعي حساسية. فالناس تستطيع أن تؤجل بعض القرارات الحياتية في زمن الحرب، لكنها لا تستطيع تأجيل المرض. ولا يمكن لمن يحتاج إلى علاج أو دخول مستشفى أن ينتظر انتهاء المفاوضات أو اتضاح مصير الهدنة.
من هذه الزاوية، تتضاعف مسؤولية الدولة، فهي مطالبة بإدارة الميدان، وملزمة أيضًا بحماية شبكة الأمان الاجتماعية. لا يجوز أن تُترك العلاقة بين المستشفيات والجهات الضامنة لمنطق “التسويات الهشة”. المطلوب مقاربة حكومية تضمن استمرارية التغطية الصحية، وتمنع تحميل المواطن عبئًا إضافيًا، وتتعامل مع القطاع الصحي كجزء أصيل من خطة الصمود الوطني، لا كملف قطاعي منفصل يمكن تأجيله.
في الخلاصة، تكشف الحرب أن هشاشة الدولة لا تظهر فقط حين تُقصف القرى أو تتبدل خرائط الميدان، وإنما أيضًا حين يصبح دخول المستشفى مصدر خوف بدلًا من أن يكون مساحة أمان. فالجبهة ليست في القرى الحدودية وحدها، والكلفة لا تُقاس بعدد الغارات فقط. هناك معركة صامتة تُخاض داخل النظام الصحي، في غرف الطوارئ، وعلى طاولات الحسابات، وبين المرضى والجهات الضامنة. وبالتالي، فإذا طال النزف، لن يكون المعيار محصورًا بمن يملك القدرة على ضبط الميدان، وإنما بمن يملك القدرة على إبقاء المجتمع واقفًا.
المصدر: Lebanon24