Categories: أخبار

الحكومة مدعوة لاثبات قدرتها على الحكم لا إدارة الأزمات

كتبت سابين عويس في” النهار”: لم يكن دخول “حزب الله” الحرب مع إسرائيل السقطة الوحيدة التي واجهتها الدولة منذ إعلانها الالتزام باستعادة السيادة وحصرية السلاح في يد المؤسسات الشرعية، ذلك أن اتخاذ القرارات والالتزام بتعهدات لا يكفي لتحصين صورة الدولة السيدة والحامية لشعبها وحدودها ما لم يقترن ذلك بالتنفيذ.
قرارات وإجراءات اتخذتها حكومة الرئيس نواف سلام إلا أنها عجزت عن رسم طريقها إلى التنفيذ على نحو يعيد للدولة سيادتها وقرارها الحرّ، ما أدّى عملياً إلى سقوطها وسقوط مفهوم السيادة معها، وتراجع الثقة المحلية والخارجية بها. هذا المشهد من العجز الرسمي عن إدارة الدولة، أو حتى أقله إدارة الأزمة، يضع لبنان أمام خطر حقيقي لا يهدّد أمنه واستقراره فحسب بل يضرب ما بقي من صورته كدولة ذات سيادة قادرة على إدارة شؤونها.
وليس من المبالغة القول إن المرحلة اليوم لم تعد تتطلب وقف الحرب، وإن كانت هذه أولوية الأولويات لوضع حد لآلة القتل والدمار والتهجير، بل إن ما بات على المحك اليوم هو السؤال كيف يمكن إعادة ترميم صورة الدولة واستعادة سيادتها داخلياً وخارجياً، لأن الجواب عن هذا السؤال يحدّد مستقبل البلد وآفاق المرحلة المقبلة، حيث التحدي لا يقف عند استعادة التعافي والأمن والاستقرار وإعادة إعمار ما تهدّم وتعويض الخسائر، بل هو في العنوان السياسي الأساسي للمشهد مع إعلان لبنان استعداده الدخول في تفاوض مع إسرائيل لم تتبلور شروطه ومندرجاته، تمهيداً لتحديد ضماناته والتزاماته. هل لبنان بات مستعداً لاتفاق سلام وهل يصل إلى مرحلة التطبيع أم أن الإعلان عن الالتزام بالتفاوض لا يعدو كونه شراءً لوقت لم يعد متاحاً، تماماً كما حصل على مدى الأشهر الخمسة عشر الماضية؟
إن ترميم صورة لبنان واستعادة الثقة سيكونان مهمّة شاقة أمام السلطة اللبنانية بكل متفرعاتها، وهي تتطلب في أول الأمر قراراً سيادياً والتزاماً جدياً، باستعادة السلطة المخطوفة وقرار الحرب والسلم، والأهم كسر حاجز الخوف من التهويل المتنامي حيال ضرب السلم الأهلي والعيش المشترك والتهديد بالفتنة والحرب الأهلية، والأكثر أهميةً فوق كل ذلك إطلاق يد المؤسسات العسكرية والأجهزة الأمنية لبسط سلطة الدولة والخروج من منطق المراعاة والمهادنة، كما هو حاصل حيال المواقف والتصريحات الصادرة عن قيادات في حزب الله، المهدّدة بالحرب وتجاوز الدولة.
لا يمكن لأي دولة أن تستعيد ثقة شعبها أو المجتمع الدولي من دون إعادة الاعتبار لمفهوم السيادة. حصرية السلاح بيد الدولة ليست شعاراً سياسياً، بل هي شرط أساسي لقيام دولة فعلية. وهذا يتطلب قراراً سياسياً جامعاً، لا مجرد بيانات، يترجم إلى خطة تدريجية واضحة تدمج كل القدرات العسكرية ضمن المؤسسات الشرعية، وعلى رأسها الجيش. أيّ تأجيل أو تسويف في هذا الملف سيُبقي لبنان رهينة التوترات الإقليمية، بدل أن يكون دولة تحكمها مؤسسات.

وعلى الحكومة أن تثبت أنها قادرة على الحكم، لا فقط على إدارة الأزمات. عجزها عن تنفيذ قراراتها يقوّض مصداقيتها. المطلوب هنا ليس فقط اتخاذ قرارات، بل امتلاك الإرادة والآليات لتنفيذها. وهذا يشمل إصلاح الإدارة العامة، وتفعيل القضاء، ومكافحة الفساد بشكل جدّي، لأن الثقة لا تُبنى بالسياسة الخارجية فقط، بل تبدأ من الداخل.
يحتاج لبنان إلى إعادة تموضعه ديبلوماسياً. لا يمكنه الاستمرار كساحة صراع للآخرين. المطلوب سياسة خارجية ضاغطة تترافق مع زيارات مكوكية إلى عواصم الدول الكبرى والصديقة تعيد بناء الجسور مع العالم العربي والمجتمع الدولي، وتؤكد التزام لبنان بالقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية. فالدعم الخارجي سواء الاقتصادي أو المالي أو السياسي مرتبط بشكل وثيق بمدى ثقة هذه الأطراف بقدرة الدولة اللبنانية على احترام التزاماتها.
إن استعادة الثقة الداخلية لا تقل أهمية عن تلك الخارجية. فاللبنانيون اليوم يشعرون بأن الدولة غائبة أو عاجزة. إعادة هذه الثقة تتطلب خطاباً صريحاً، يقرّ بالأخطاء، ويطرح رؤية واضحة للمستقبل، بدل الاكتفاء بإدارة الانهيار. وإشراك المجتمع المدني والقطاع الخاص في عملية الإنقاذ يمكن أن يعزز الشعور بالشراكة والمسؤولية.
وأخيراً، لا بد من فصل المسار العسكري عن مستقبل الدولة، إذ إن استمرار أي جهة غير رسمية في اتخاذ قرارات الحرب والسلم سيبقي لبنان في مواجهة دائمة مع المخاطر. لذلك، فإن أيّ حلّ مستدام يجب أن يمر عبر حوار وطني جدّي يحدّد دور كل الأطراف ضمن إطار الدولة، ويضع حداً لازدواجية القرار الأمني.
في الخلاصة، استعادة لبنان لصورته ليست مهمة علاقات عامة، بل عملية سياسية عميقة تتطلب شجاعة في اتخاذ القرارات، ووضوحاً في الرؤية، والتزاماً فعلياً ببناء دولة القانون. ستكونالطريق طويلة ومحفوفة بالعقبات، لكن البديل هو استمرار التآكل والانهيار، وهو خيار لم يعد يحتمله لبنان ولا اللبنانيون!   

المصدر: Lebanon24

News Desk

Share
Published by
News Desk

Recent Posts

الشيخ قبلان: المقاومة والجيش أساس سيادة لبنان

رأى المفتي الجعفريّ الممتاز الشيخ أحمد قبلان أنّ المقاومة والجيش أساس سيادة لبنان ورمز الدفاع…

3 دقائق ago

منخفض جويّ مستمر وانخفاض بدرجات الحرارة وامطار غزيرة

تؤثر سلسلة من المنخفضات المتتالية على لبنان بالتوازي مع تدفق كتل هوائية رطبة وباردة.  …

9 دقائق ago

دخول طائرات FPV إلى ساحة الجنوب… و”حزب الله” يعلن استخدامها رسمياً

رسمياً، يبدو أن ساحة الجنوب دخلت مرحلة مختلفة من المواجهة، مع تأكيد استخدام الطائرات المسيّرة…

14 دقيقة ago

مطلعا على اوضاع النازحين.. وزير الزراعة جال على ثانوية الشويفات الرسمية

جال وزير الزراعة الدكتور نزار هاني، يرافقه رئيس بلدية مدينة الشويفات نضال الجردي، على ثانوية…

29 دقيقة ago

قبلان في رسالة العيد: لا خيار إلا “اتفاق وقف النار” وفقط

وجّه المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان رسالة العيد، وهذا نصها: "لأنه العيد بكل ما…

37 دقيقة ago

باريس تتحفظ على العملية البرّية الإسرائيلية وواشنطن تربط أي تفاوض بتغييرات داخل لبنان

لم تنجح المبادرة الفرنسية لأنّها جاءت بلا أدوات ضغط حقيقية. وقد أظهرت زيارة وزير الخارجية…

44 دقيقة ago