بعد الصلاة المشتركة وكلمة تهنئة بالفصح للرئيسة العامة لراهبات القديسة تريزيا الطفل يسوع الأم إتيان جرجس باسم مكتب الرؤساء العامين والرئيسات العامات.
وقال الراعي في رسالته: “هذا السؤال طرحنه النسوة، حاملات الطّيب لتطييب جثمان يسوع، وقد جئن إلى القبر صباح يوم الأحد. “فوجدن الحجر قد دُحرج وكان كبيرًا جدًا” (مر 16 : 4). ليس سؤالاً عابرًا، بل هو صرخة انسان وشعب يقف أمام حجر كبير يسدّ طريقه: حجر الخوف، حجر الألم، حجر العجز، حجر الحرب والدمار والقتل والهدم والتشريد والصمود بقلق.كانت المفاجأة الكبرى أنّ الحجر قد دُحرج، ليس بقوة بشرية، بل بقوة الله. وهنا يكمن سرّ القيامة: أن ما يعجز عنه الإنسان، يتمّمه الله. وأن ما يبدو مغلقًا، يُفتح بنعمة الله. وأن ما يظنّه نهاية، يصبح بداية.هذا الحجر ليس فقط حجر قبر، بل هو رمز لكل ما يثقل قلوبنا، لكل ما يمنعنا من الإنطلاق نحو الحياة. في فجر القيامة، يعلن الله أنّ الحجر دُحرج، وأن الحياة أقوى من الموت.
يسعدني، باسم إخواني السادة المطارنة، أن أحيّي قدس الرؤساء العامين والرئيسات العامات والإقليميين والإقليميات، وسائر الرهبان والراهبات والإخوة والأخوات، مهنئًا إياكم بهذا العيد، مشاركين معًا المسيح الرب آلامه وقيامته سائرين معه من الصليب الى القبر، ومن القبر الى القيامة. نلتقي، كما جرت العادة، في هذا الصباح المقدّس، في لقاء صلاة مشتركة يحمل معنى الشركة الكنسية والوحدة في الإيمان. وأعرب عن امتناني للكلمة اللطيفة التي ألقتها باسمكم حضرة الأم إتيان جرجس الرئيسة العامة لراهبات القديسة تريزيا الطفل يسوع، ونبادلكم التهاني الصادقة بهذا العيد المبارك. وأتوجّه بالمعايدة الى جميع المسيحيين مقيمين ومنتشرين، بل الى كل اللبنانيين، لأن عيد الفصح هو عيد الرجاء لكل إنسان، عيد القيامة لكل من يبحث عن حياة جديدة. لكن القلب يعتصر ألمًا على ضحايا الحرب المفروضة على لبنان من حزب الله وإسرائيل، وعلى المشرّدين، وعلى البيوت المدمَّرة، وعلى الصامدين المنقطعين عن العالم خلافًا للقوانين الدولية التي تدعو لحماية المدنيين، ولإيجاد ممرات إنسانية لإيصال حاجاتهم من مواد غذائية وأدوية وسواها.
ليست المطالبة بفتح ممرّات إنسانية مجرّد مطلب إنساني، بل هي واجب قانوني دولي، مرتكز على اتّفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 (المواد 23 و55 و56 و59)، وعلى المادتين 54 و70 من البروتوكول الإضافي الأول للعام 1977، وعلى قرار مجلس الأمن 1701 مادة 11 (د). هذه كلّها تفرض حماية السكان المدنيين، وتكفل وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، وتحظر حرمانهم وعزلهم أو حصارهم.
عيد الفصح ليس مجرد ذكرى، بل هو حدث غيّر تاريخ البشرية. بقيامة يسوع، دخل النور الى العالم، ودخل الرجاء الى قلب الإنسان.القيامة ليست فقط قيامة يسوع، بل هي أيضًا قيامة قلب كل إنسان. يسوع لم يقم لنفسه فقط، بل أقام الإنسان من خطيئته، من ضعفه، من موته الداخلي. لقد نفخ فينا روح الحياة، روح القيامة، روح الرجاء. وهكذا، أصبحنا نحن أبناء القيامة، أبناء الحياة الجديدة. معلنين أن الله حي، وأن القيامة مستمرة في حياة كل إنسان. المسيح القائم من بين الأموات حاضر حي في كنيسته، في ليتورجيتها، في صلواتها، وفي أسرارها. في كل قداس، وفي كل صلاة، نعيش خبرة القيامة. الليتورجيا هي لقاء مع القائم من الموت، وهي اختبار يومي للقيامة التي تتجدّد فينا، وشهادة نقدّمها للعالم. من يدحرج لنا الحجر عن باب القبر؟” لبنان يقف أمام حجر ثقيل، حجر الأزمات والتحديات والحرب وويلاتها التي تراكمت حتى بدت كأنها تقفل الأفق. حجر الدمار، حجر القتل، حجر الإنهيار الاقتصادي والاجتماعي، حجر التراجع الثقافي، وحجر التوترات والاعتداءات التي ما زالت تطال أرضه واستقراره. فالقيامة تعلّمنا أن الحجر لا يبقى، وان ما يبدو مستحيلاً يمكن ان يتغيّر. غير ان دحرجة الحجر لا تتم بالانتظار، بل بالالتزام، بإرادات صالحة، بضمائر حيّة، بإيمان يرفض الاستسلام. إن القيامة الوطنية تبدأ من الداخل، من إنسان يقرّر أن يقوم، أن يتمسّك بالحقيقة، أن يعمل من أجل الخير العام. المسيح قام مرة، ودعانا لنقوم نحن أيضًا، ولنختار الحياة بدل الموت، والنور بدل الظلمة، والسلام بدل العنف. لأن القيامة تعلن أنّ الحياة أقوى، وأنّ الشعوب تستطيع أن تنهض، وأنّ الأوطان يمكن أن تقوم من جديد. لبنان مدعو إلى قيامة تعيد إليه دوره، ورسالته كوطن حياة ورجاء.
ان الكنيسة ملتزمة رسالتها الروحية والتربوية والاستشفائية والوطنية. لكنّها تدعو لاحترام العدالة والقضاء.روحيًا، نشكر الله على أن الكنيسة بأساقفتها وكهنتها ورهبانها وراهباتها ومؤمنيها ملتزمة برسالتها الروحية والراعوية، ولا سيما في بلدات الصمود، حيث الكنائس مفتوحة، ويلوذ إليها المؤمنون بإيمان ورجاء وتقوى وصلاة. تربويًا، قطاع الكنيسة التربوي لم يستسلم للحرب الهدّامة. فظلّت مدارسنا مصرّة على متابعة رسالتها، على الرغم ممّا تخلّفه الحرب من ويلاتٍ على الاقتصاد اللبناني، وعلى مكوّنات الأسرة التربويّة بأسرها.
إننا نرفع الصوت عاليًا أمام الدولة والمنظمات المحليّة والدوليّة للمساعدة في تأمين مستلزمات التعليم، لئلّا تتفاقم آفة الأميّة والجهل في مجتمعنا الذي لطالما تميّز بميزته التفاضلية في الثقافة والتعليم.كما نذكّر بالحاجة الى ورشة إصلاح تربويّة شاملة، من خلال تشريعات حديثة، عصرية، عادلة ومنصفة، تصون حقوق كافة مكوّنات العائلة التربويّة وتضمن استمرارية الرسالة التربويّة.والمدرسة الكاثوليكية مدعوّة اليوم، أكثر من أي وقتٍ مضى، إلى فتح أبوابها لجميع التلامذة، وإلى تعزيز قيم المواطنة ووحدة العائلة اللبنانية، والتربية على المصالحة والمغفرة، وعلى نشر ثقافة السلام والمحبة. وإنّنا لا ننفك ندعو المسؤولين في الدولة الى إيلاء عنايةٍ خاصّة بالمدارس المجانيّة ومدارس الأطرف، التي تُشكّل، في كثير من الأحيان، السبيل الوحيد لتأمين التعليم للعائلات الأكثر حاجة، ممّا يساهم في تثبيت المواطنين في أرضهم. استشفائيًا، يتعرّض القطاع الاستشفائي الى سلسلة أزمات:
– أزمة النزوح من مناطق القصف الى بيروت وجبل لبنان والشمال، بحيث تتعرّض المستشفيات لضغوط تفوق قدرتها الاستيعابية، وبخاصة في الطوارىء والعناية الفائقة.
– أزمة التشغيل: تتحمل المستشفيات كلفة المولدات الخاصة لتأمين الكهرباء مع عدم توفّر المازوت وكلفة أسعاره العالية.
– أزمة الديون من جراء تأخر الدولة والجهات الضامنة الرسمية والخاصة في تأدية مستحقاتها، مما يراكم الديون المستحقة للموردين.
– أزمة الكوادر البشرية، كأطباء وممرضين هاجروا إلى الخارج لعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والمالي.
– أزمة المستلزمات والأدوية بسبب اضطراب في حركة الشحن والاستيراد، مما أدّى أيضًا إلى ارتفاع أسعار هذه المستلزمات والأدوية. قضائيًّا، إن العدالة عندنا في حالة بطء، والموقوفون وراء القضبان ينتظرون المحاكمة لشهور وسنوات. فمن غير المقبول، بل من غير الإنساني أن يتحوّل الاحتجاز إلى عقوبة، وأن تمتلئ السجون بمن لم تُحسم قضاياهم. فالعدالة لا تفقد قيمتها فقط حين تُنتهك، بل أيضًا حين تتأخر. فالشعوب تُقاس بعدالتها وإنصاف الإنسان. وبأي حق يوقف المتّهم قبل التحقيق معه وأثناءه لشهور؟ وكيف يتحوّل الاحتجاز إلى عقوبة والتوقيف الاحتياطي إلى حكم غير معلن؟ وما القول عن تسييس القضاء، وفبركة الملفات؟ ولا بدّ من تسريع إجراءات المحاكمة، وتفعيل القضاء بما يقتضيه من جدّية وفعالية.
إنّ الكنيسة في عمق رسالتها أمينة على الكرامة البشرية، وشريكة للإنسان في ألمه، وهي صوت الحق عندما يضعف كل صوت”.
اما وطنيًا، فقال: “تتابع الكنيسة جهودها ليستعيد لبنان سلامه وسيادة أراضيه وقراره السياسي الحر. فإنّه يعيش وضعًا كيانيًّا خطيرًا بفعل استباحة سيادته من إيران بواسطة حزب الله، وبفعل الاعتداءات الإسرائيلية على أراضيه. فلبنان متمسّك بخطاب قسم رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، والبيان الوزاري لحكومة الرئيس نواف سلام، وقرارات الحكومة اللبنانية في ٥ و٧ آب ٢٠2٥ و٢ آذار ٢٠٢٦، وبقرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة ١٥٥٩ و١٦٨٠ و١٧٠١.”
وختم الراعي:” فلنصلِّ، في زمن القيامة من أجل قيامة لبنان، إنسانًا وشعبًا ووطنًا. فالمسيح قام! حقًا قام.”
بعدها تقبل التهاني بالفصح من الحضور.

