أشار مفتي محافظة بعلبك الهرمل الشيخ الدكتور بكر الرفاعي إلى أن “في الهجرة النبوية تتجلى إحدى أعظم لحظات الوعي التاريخي في مسيرة الأمة؛ إذ لم تكن مجرد مغادرة لأرضٍ إلى أرض، بل كانت إعلانًا عن ميلاد مرحلة جديدة في فهم الإنسان لرسالته ودوره في صناعة المستقبل. فالأحداث الكبرى لا تُقاس بحركتها الجغرافية، بل بما تخلقه من تحولات في الفكر والواقع وموازين القوة”.
وقال في خطبة الجمعة: “مثّلت الهجرة انتقالًا من دائرة الاستضعاف إلى فضاء الفاعلية، ومن مرحلة الدعوة المحاصرة إلى مرحلة الدولة القادرة على حماية قيمها وترجمتها إلى مؤسسات ونظم وعلاقات اجتماعية. ولذلك لم يكن اختيارها بدايةً للتأريخ الإسلامي أمرًا عابرًا، بل اعترافًا بأنها نقطة التحول التي أعادت تشكيل مسار التاريخ”.
واعتبر أن “الأمم التي تنشد النهوض لا تستطيع البقاء أسيرة المكان أو الظروف أو المظالم التي تكبلها، بل تحتاج إلى شجاعة الانتقال من الواقع المفروض إلى الواقع الممكن. والهجرة بهذا المعنى ليست ذكرى تُستعاد، وإنما قانون حركةٍ يدفع المجتمعات إلى تجاوز العجز والانطلاق نحو البناء”.
وتابع: “يبرز في هذا الحدث الخالد معنى التضحية الواعية؛ فالتغيير الحقيقي لا يتحقق بالأمنيات، بل يتطلب استعدادًا لدفع الأثمان. وقد جسد المهاجرون هذا المعنى حين غادروا أوطانهم وأموالهم طلبًا لرسالةٍ أكبر من المصالح الفردية، فصنعوا بذلك نموذجًا أخلاقيًا في تقديم المبدأ على المكسب”.
وأضاف: “في مشهد الغار تتكثف معاني الثقة والطمأنينة وسط أقسى ظروف الخطر. فحين تضيق الأسباب البشرية وتقترب التهديدات من ذروتها، يبقى اليقين بالله مصدر القوة الذي يحفظ التوازن النفسي ويمنع الانهيار. إنها رسالة تؤكد أن الأزمات الكبرى تُدار بالعقل المؤمن لا بالخوف المستسلم”، لافتًا إلى أن “الهجرة تبقى في جوهرها دعوةً متجددة لكل إنسان ومجتمع أن يهاجر من مواطن الضعف إلى ميادين القوة، ومن الانقسام إلى الوحدة، ومن الجمود إلى الحركة، ومن الفوضى إلى البناء. فالهجرة الحقيقية ليست حدثًا انتهى في التاريخ، بل منهجًا دائمًا للتجدد الحضاري وصناعة المستقبل”.
وأردف: “في واقع أمتنا اليوم، تبرز الهجرة النبوية نموذجًا للتغيير الواعي القائم على الجمع بين الإيمان والعمل، وبين وضوح الرؤية وحسن التخطيط. فهي تعلمنا أن النهوض لا يتحقق بالأمنيات، بل ببناء الإنسان والمؤسسات واستثمار الطاقات في مواجهة التحديات وصناعة المستقبل”.
ورأى أنه “في الواقع اللبناني، تذكّرنا الهجرة النبوية بأن الأزمات مهما اشتدت لا تُواجه باليأس أو الانكفاء، بل بالإرادة الواعية والتخطيط والتعاون. فكما تحوّلت المحنة في الهجرة إلى فرصة لبناء مجتمعٍ ودولة، يبقى الأمل معقودًا على قدرة اللبنانيين على تجاوز أزماتهم واستعادة مسار النهوض والاستقرار”.
واعتبر أنّ “الهجرة تحمل رسالةً خاصة للبنان القائم على التنوع والتعدد، إذ تؤكد أن بناء الأوطان لا يكون إلا بالشراكة والتلاقي وتغليب المصلحة العامة على المصالح الضيقة. وفي زمن الانقسامات والتحديات، تبرز الحاجة إلى ترسيخ قيم التضامن والمسؤولية الوطنية والعمل المشترك من أجل مستقبلٍ أكثر أمنًا وازدهارًا لجميع أبنائه”.
وتابع: “في ظلّ ما يواجهه لبنان من اعتداءاتٍ صهيونية متكررة، تبرز الهجرة النبوية بوصفها درسًا في الصبر والثبات وحسن إدارة المواجهة. فقد علّمتنا أن التحديات الكبرى لا تُواجَه بالاستسلام للواقع، بل بالتمسك بالحق، وتعزيز عناصر القوة، وبناء أسباب الصمود حتى يتحول الألم إلى طاقةٍ للنهوض والثبات”.
وأكد الرفاعي أن “تعزيز علاقات لبنان مع محيطه العربي والإسلامي، يشكّل فرصةً حقيقية للنهوض الاقتصادي واستعادة دوره الإقليمي. ويبرز في هذا الإطار تشغيل مطار القليعات، وإحياء سكة الحديد، وتوسيع تصدير الفواكه والخضار إلى الأسواق العربية، كمشاريع استراتيجية قادرة على تنشيط الاقتصاد، وخلق فرص العمل، وتعزيز الموقع الجيوسياسي للبنان كحلقة وصل بين المشرق وعمقه العربي والإسلامي”.

