Categories: أخبار

“السّر في الأدوات”.. كيف يصمد لبنان أمام إسرائيل بعد الجلوس على الطاولة؟

السؤال عن مفاوضات لبنان مع إسرائيل لا يبدأ من شكل الطاولة: مباشرة أم غير مباشرة، في الناقورة أم في واشنطن، برعاية أميركية أم أممية. السؤال الحقيقي أعمق: هل يملك لبنان اليوم الأسس التي تسمح له بأن يفاوض من موقع دولة، لا من موقع ساحة مفتوحة على الحروب والضغوط والتوازنات الخارجية؟

الأسس موجودة على الورق، لكنها ناقصة في السياسة. فلبنان لديه قرار دولي يصلح قاعدة تفاوضية هو القرار 1701، ولديه اتفاق هدنة تاريخي يعود إلى عام 1949، ولديه تجربة ناجحة نسبياً في الترسيم البحري عام 2022. لكنه في المقابل يفتقد الشرط الأخطر: وحدة القرار الداخلي، وحصر السلاح والقرار الأمني بيد الدولة، وتثبيت موقف وطني واحد من معنى التفاوض وحدوده. من الناحية القانونية، لا يبدأ لبنان من الصفر. اتفاق الهدنة اللبنانية ـ الإسرائيلية الموقّع في رأس الناقورة في 23 آذار 1949 يبقى وثيقة مرجعية مهمة، لأنه ثبّت خط الهدنة على قاعدة الحدود الدولية بين لبنان وفلسطين الانتدابية، لا على قاعدة حدود جديدة تفرضها الحرب. هذا يعني أن لبنان يستطيع أن يستند إلى تاريخ قانوني سابق لا إلى موازين القوى الراهنة وحدها.

أما القرار 1701، فهو القاعدة الدولية الأكثر حضوراً اليوم. جوهره واضح: وقف الأعمال العدائية، انسحاب القوات الإسرائيلية، انتشار الجيش واليونيفيل في الجنوب، ومنع وجود أي سلاح غير سلاح الدولة اللبنانية جنوب الليطاني. لذلك، فإن أي تفاوض لا يستند إلى تنفيذ متوازن لهذا القرار سيتحوّل إلى نقاش أمني ناقص، فإسرائيل تطلب ضمانات ضد حزب الله، ولبنان يطلب وقف الاعتداءات والانسحاب، فيما تبقى الدولة عالقة بين الشرطين. هنا تكمن العقدة الأولى، لا يستطيع لبنان أن يفاوض بقوة إذا لم يكن قراره واحداً.
الانقسام الداخلي حول التفاوض مع إسرائيل ليس تفصيلاً سياسياً، بل نقطة ضعف تفاوضية. فالانقسامات اللبنانية بشأن شكل التفاوض ودلالاته عطّلت جهوداً سعودية للدفع نحو موقف لبناني موحّد، في ظل تباين بين من يطرح التفاوض المباشر أو الواسع، ومن يفضّل اتفاق عدم اعتداء أو مساراً أمنياً محدوداً. وهذه ليست مسألة شكلية. إسرائيل تدخل أي تفاوض بعنوان واضح: أمن الحدود ونزع قدرة حزب الله العسكرية جنوباً وربما أبعد من الجنوب. لبنان، في المقابل، يحتاج إلى عنوان لا يقل وضوحاً: الانسحاب الكامل من الأراضي المحتلة، وقف الخروقات والاغتيالات والضربات، ترسيم النقاط البرية المتنازع عليها، تثبيت سيادة الدولة، وفتح مسار إعادة الإعمار. فإذا دخل لبنان الطاولة بعناوين متفرقة، سيخرج منها بتنازلات متفرقة.

الأساس الثاني هو تحويل الجيش إلى مرجعية عملية لا مجرد عنوان في البيانات. فلا يكفي أن يقال إن الدولة هي صاحبة القرار، إذا بقي الميدان يرسل رسائل مختلفة. المطلوب أن يكون انتشار الجيش جنوباً جزءاً من خطة أمنية وسياسية ومالية واضحة من خلال العديد، التمويل، الصلاحيات، والغطاء السياسي.

الأساس الثالث هو ملف الحدود البرية. لبنان لا يستطيع أن يقفز مباشرة إلى عنوان كبير مثل “السلام” أو “التطبيع” قبل أن يحسم الأسئلة الصغيرة التي صنعت حروباً كبيرة، أوّلها مزارع شبعا، وتلال كفرشوبا، والغجر، ورأس الناقورة، والنقاط المتحفظ عليها على الخط الأزرق.

تجربة الترسيم البحري عام 2022 تعطي لبنان درساً مهماً.. يمكن التفاوض مع إسرائيل من دون اعتراف سياسي كامل أو تطبيع، إذا وُجدت وساطة واضحة، وملف محدد، ومصلحة اقتصادية ضاغطة. الاتفاق البحري سُجل في الأمم المتحدة كاتفاق تبادل رسائل بين لبنان وإسرائيل ودخل حيّز التنفيذ في 27 تشرين الأول 2022، ما يجعله سابقة عملية في إدارة نزاع معقّد عبر صيغة غير مباشرة.
لكن الخطأ سيكون في نسخ تجربة البحر على البر كما هي. في البحر، كان النزاع محصوراً بخطوط وحقول واحتمالات غاز. على البر، هناك قرى، سكان، ذاكرة احتلال، مقاومة، سلاح، تهجير، وخط تماس قابل للاشتعال. لذلك، يحتاج التفاوض البري إلى سلة أوسع تبدأ من الأمن، ولا تنتهي عند الحدود، وعودة سكان، والتعويضات، وإعادة إعمار، وضمانات دولية.

اقتصادياً، لا يملك لبنان ترف إضاعة الوقت. البنك الدولي قدّر حاجات التعافي وإعادة الإعمار بعد الحرب بنحو 11 مليار دولار، بينها 8.8 مليارات للبنى التحتية وإعادة تأهيل الأصول، و2.2 مليار للتعافي الاقتصادي والاجتماعي. هذا الرقم وحده يكفي ليقول إن ملف الجنوب لم يعد أمنياً فقط، بل صار ملفاً مالياً وطنياً يضغط على الدولة والناس والقطاع الخاص. لكن المال لن يأتي إذا بقيت الحرب قابلة للاستئناف كل أسبوع. المانحون لا يمولون إعادة بناء منطقة قد تُقصف مجدداً، والمستثمر لا يضع أمواله في بلد لا يعرف إن كان مطاره وحدوده ومرافئه ستبقى آمنة. لذلك، تصبح المفاوضات، إذا أُحسنت إدارتها، جزءاً من خطة إنقاذ اقتصادي لا مجرد مناورة سياسية.

الخطر الأكبر أن يذهب لبنان إلى التفاوض تحت ضغط الحاجة فقط. فالحاجة إلى وقف الحرب لا تكفي لصناعة اتفاق جيد. الدول تفاوض بقوة عندما تعرف ماذا تريد، وماذا ترفض، وماذا تستطيع أن تقدم، وماذا تستطيع أن تتحمل. أما التفاوض تحت الانقسام، وتحت نار الخروقات، ومن دون ورقة اقتصادية وأمنية متكاملة، فيحوّل لبنان إلى متلقٍّ للشروط لا شريك في صياغتها.

لذلك، الأسس اللازمة لمفاوضات لبنان مع إسرائيل هي خمس: موقف داخلي موحّد، مرجعية قانونية واضحة، جيش قادر ومغطى سياسياً، ملف حدودي موثق نقطة بنقطة، ورؤية اقتصادية تربط الأمن بالإعمار. ما عدا ذلك ليس تفاوضاً، بل إدارة مؤقتة للأزمة.

المصدر: Lebanon24

News Desk

Share
Published by
News Desk

Recent Posts

الكشف عن سبب توقيف الممثل معن عبد الحق من قبل الأجهزة الأمنية السورية

وفي التفاصيل، أكدت مصادر في وزارة الداخلية السورية لـPeople Arabia أن توقيف عبد الحق جاء…

9 دقائق ago

“حزب الله” في ذكرى شهداء الصحافة: واجهوا الاحتلال وجعلوا من القلم سلاحًا فتّاكًا ومن الكلمة منبرًا مقاومًا

رأت العلاقات الإعلامية في "حزب الله" في بيان أن "ذكرى شهداء الصحافة تحلّ هذا العام،…

27 دقيقة ago

في ذكرى شهداء الصحافة.. بيان لـ “حزب الله”

لقد رسم شهداء الصحافة، على امتداد مساحة لبنان وتاريخه، بمداد دمهم صورة الوطن الحقيقي؛ وطن…

32 دقيقة ago

قبلان: لبنان يُحكم من لبنان فقط لا من تل أبيب أو واشنطن أوغيرها

أكّد المفتي الجعفريّ الممتاز الشيخ أحمد قبلان أنّ لبنان يُحكم من لبنان فقط “لا من…

33 دقيقة ago

بيان لمصرف لبنان بشأن موجوداته بالعملات الأجنبية

أعلن مصرف لبنان في بيان، أنه في ضوء ما تم تداوله مؤخرًا بشأن تطور موجودات…

37 دقيقة ago

السيّد بحثت مع محافظ بيروت في تعزيز الاستجابة الاجتماعية وافتتاح مراكز خدمات جديدة في العاصمة

بحثت وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد مع محافظ مدينة بيروت القاضي مروان عبود، بحضور رئيس…

41 دقيقة ago