وفي موازاة الخسائر البشرية الهائلة، يواجه القطاع الصحي استنزافًا متواصلًا نتيجة الاستهداف المتكرر للمستشفيات والطواقم الطبية وسيارات الإسعاف، فيما يجد المسعفون والأطباء أنفسهم في سباق دائم مع الوقت لإنقاذ الأرواح وسط ظروف بالغة الصعوبة. ومع تزايد أعداد الجرحى واتساع رقعة العمليات العسكرية، يبرز تساؤل ملحّ: إلى أي حدّ لا يزال مخزون المستلزمات الطبية والإمدادات الصحية قادرًا على تلبية الاحتياجات المتزايدة في ظل الحرب المستمرة على لبنان؟
وفي هذا الإطار، أكدت رئيسة نقابة مستوردي المستلزمات والمعدات الطبية، سلمى عاصي، في حديث لـ”لبنان 24″، أن مخزون المستلزمات الطبية متوافر حاليًا، ولا توجد أي أزمة في السوق اللبناني طالما أن مرفأ بيروت ومطار رفيق الحريري الدولي والمعابر البرية لا تزال تعمل بشكل طبيعي، مشيرة إلى أن عمليات الاستيراد مستمرة بوتيرة شبه اعتيادية.
وأوضحت عاصي أن المخزون المتوافر اليوم هو ضمن المعدلات الطبيعية التي يُفترض أن تكون موجودة لدى الشركات والمستشفيات، لافتة إلى أن أي إقفال محتمل للمرافئ أو المطار قد يغيّر المشهد. وكشفت أن المخزون الموجود لدى الشركات يكفي لفترة ثلاثة أشهر، بحسب نوع المستلزمات، فيما تحتفظ المستشفيات أيضًا بمخزون مماثل، ما يؤمن هامشًا من الاستمرارية في حال تعذرت عمليات الاستيراد لفترة محددة.
وأضافت أن الشركات عمدت خلال الفترة الأخيرة إلى تعزيز مخزونها الاحتياطي تحسبًا لأي طارئ، خصوصًا بعد الصعوبات التي واجهتها في الشحن الجوي، في ظل محدودية الرحلات الوافدة إلى لبنان واعتمادها بشكل أساسي على طيران الشرق الأوسط، الأمر الذي دفع المستوردين إلى زيادة كميات الطلبات.
وأشارت إلى أن الطلب يتركز حاليًا على المستلزمات المرتبطة بالحالات الطارئة والإصابات الناجمة عن الحرب، موضحة أن الضغط يزداد بشكل ملحوظ على المستشفيات الواقعة في المناطق الحدودية والأكثر تأثرًا بالأحداث. ومع ذلك، شددت على أنه لا توجد حتى الآن أي أصناف مفقودة أو مقطوعة من السوق، كما لم يُسجل وجود أي مستلزم طبي مصنف ضمن خانة المواد المهددة بالنفاد.
وعن أبرز التحديات، لفتت عاصي إلى أن قطاع الاستيراد تأثر بتراجع حركة الطيران إلى لبنان، بعدما كانت شركات عدة تؤمّن الشحن من وجهات مختلفة. أما اليوم، فقد أدى تراجع عدد الرحلات وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين إلى زيادة الأعباء على المستوردين. وكشفت أنه جرى التنسيق مع وزارة الصحة لمعالجة انعكاسات هذه الزيادات، على أن لا تتجاوز نسبة الارتفاع التي قد تنعكس على الأسعار سقف 10 في المئة.
وأكدت أن النقابة تواصل تلبية حاجات المستشفيات وفقًا للطلب، لا سيما في المناطق التي تشهد كثافة سكانية إضافية نتيجة النزوح. كما أشارت إلى أن إيصال المستلزمات إلى بعض المستشفيات الواقعة على خطوط المواجهة يواجه تحديات لوجستية وأمنية، إلا أن العمل مستمر لتأمين احتياجاتها وعدم انقطاع الإمدادات عنها.
وفي ما يتعلق بخطط الطوارئ، أوضحت عاصي أن الجهات المعنية وضعت خطة منذ بداية الحرب، كاشفة عن اجتماع مرتقب مع لجنة الصحة النيابية لبحث السيناريوهات المحتملة والإجراءات الواجب اعتمادها في حال توسعت رقعة المواجهات. لكنّها أكدت أن الوضع الحالي لم يستدعِ حتى الآن اللجوء إلى تطبيق أي من خطط الطوارئ الموضوعة.
وفي حين لم تُسجَّل حتى الآن أي أزمة في توافر المستلزمات الطبية، فإن استمرار الحرب يفرض حالة من الترقب والحذر. فكل تصعيد جديد يضع القطاع الصحي أمام اختبارات إضافية، ويجعل من تأمين الإمدادات والحفاظ على المخزون أولوية موازية للجهود المبذولة في علاج الجرحى وإنقاذ الأرواح، في مشهد يختصر ثقل المسؤولية الملقاة على هذا القطاع في زمن الحرب.

