وألقى إبراهيم عظة شدد فيها على “المعاني العميقة لرتبة الجناز السيّدي” وقال: “في هذه الجمعة العظيمة، نقف بخشوعٍ عميق أمام سرّ الصليب، لا كذكرى تاريخية بعيدة، بل كحقيقةٍ حيّةٍ تتجدّد في واقعنا اليوم. فالمسيح المصلوب لا يُفصل عن آلام شعوبنا، بل هو حاضرٌ في كل دمعة، في كل بيتٍ منكوب، في كل أمٍّ تنتظر ابنها، وفي كل أرضٍ تُدمَّر تحت وطأة الحروب. إننا نراه اليوم مصلوبًا من جديد في جراح لبنان، وفي آلام منطقتنا التي تلفّها النيران من كل الجهات”.
أضاف: “الجمعة العظيمة تكشف لنا سرًّا إلهيًا عميقًا: أن الله اختار أن يخلّص العالم لا بالقوة ولا بالسلطة، بل بالمحبّة التي تصل إلى حدّ البذل الكامل. لم يُواجه الشرّ بالعنف، بل غلبه بالحبّ، ولم ينتصر بالسيف، بل بالصليب. وفي زمنٍ نرى فيه لغة الحرب تتغلّب على لغة الحوار، ولغة القوة على لغة الرحمة، يدعونا المسيح أن نعيد اكتشاف طريقه: طريق التضحية، طريق الغفران، طريق الرجاء رغم الألم”.
وتابع: “إن ما يعيشه لبنان اليوم من حربٍ دامية وأزماتٍ اقتصادية خانقة، وانقساماتٍ سياسية، وأوجاعٍ اجتماعية، وكل ما يحيط بنا من ويلات، قد يدفع الكثيرين إلى اليأس والشعور بأننا تُركنا وحدنا. ولكن الصليب يعلّمنا عكس ذلك تمامًا. فحين صرخ المسيح: إلهي إلهي لماذا تركتني؟ كان يعبّر عن عمق الألم الإنساني، لكنه في الوقت نفسه كان يفتح باب الثقة الكاملة بالآب. وهكذا نحن أيضًا، مدعوون أن نحوّل صرختنا إلى صلاة، وألمنا إلى رجاء، وأن نؤمن أن الله يعمل حتى في أحلك اللحظات”.
وقال: “الصليب ليس نهاية الطريق، بل هو المعبر نحو القيامة. من قلب الموت يولد الرجاء، ومن عمق الجرح تنبثق الحياة. لذلك، لا يمكن للظلمة أن تكون الكلمة الأخيرة، ولا للحرب أن تنتصر على إرادة الحياة، ولا لليأس أن يغلب الإيمان. لبنان، رغم كل جراحه، ما زال يحمل في أعماقه بذور القيامة، وما زال مدعوًا ليكون رسالة نور، كما قال القديس يوحنا بولس الثاني”.
وأضاف: “في هذا الجوّ المطبوع بالحزن المقدّس، نتوقّف أيضًا عند ألمٍ شخصيٍّ عزيزٍ على قلوبنا، وهو انتقال الأخ نور برائحة القداسة، الذي كان حقًا شاهدًا أمينًا للنور، وخادمًا غيورًا في رسالة نورسات تيلي لوميير. لم يكن موظفا، بل كان روحًا حيّةً تحرّك العمل بمحبة وإخلاص، وحارسًا أمينًا لهذه الرسالة الإعلامية التي تحمل كلمة الرجاء إلى بيوت كثيرة عبر العالم. لقد عرف كيف يحوّل عمله إلى رسالة، وخدمته إلى شهادة، وكان مثالًا للعطاء الصامت والالتزام العميق. واليوم، إذ نفتقد حضوره، نشعر بفراغٍ كبير، لكننا نؤمن أن من عاش للنور، لا يمكن أن ينطفئ، بل ينتقل ليُعاين النور الحقيقي، نور وجه الله. نعزّي عائلته الكريمة، وكل فريق نورسات تيلي لوميير وكل المشاهدين، وكل من عرفه وأحبّه، ونصلّي أن يسكب الرب في قلوبهم تعزية السماء، وأن يحوّل حزنهم إلى رجاء، كما حوّل الصليب إلى قيامة. إن ذكراه ستبقى حيّة، لا في الكلمات فقط، بل في كل عمل خيرٍ ساهم فيه، وفي كل قلبٍ لمسه بمحبة”.
وفي لفتة الى زيارة الكنائس السبع ليلة الخميس العظيم المقدس، قال: “أود ان أقول شهادة حياة عن هذه المدينة المؤمنة، عن هذه المدينة الشاهدة زحلة. ما شهدناه بالأمس على الطرقات في زيارة الكنائس هو مشهد لا يضاهى ليس لديه شبيه في لبنان او حتى في بعض انحاء العالم، لذلك نرى ان هذه المدينة من الناحية الإيمانية هي على الخط الصحيح. من يقول انه في احتفال ليترجي طويل كإحتفالنا اليوم، هناك أطفال حاضرون منذ بدايته ولآخره وكأنهم اكبر من الكبار، يتربون على الطريق الصحيح، مؤمنين بهذه المدينة، نتعلّم منهم، ونرى من خلالهم الشهادة الحقيقية التي تدعونا الى ان نكون على مستوى الخدمة التي دعينا اليها”.
وختم إبراهيم: “أيها الرب يسوع المصلوب، في هذه الساعة المقدّسة، نسلّم لك آلامنا وآلام وطننا، ونضع بين يديك جراح لبنان وكل مِنطقةٍ تنزف. علّمنا أن نحمل صليبنا بإيمان، وألا نخاف من الظلمة، لأنك أنت النور الذي لا يُطفأ. ثبّتنا في الرجاء، وامنحنا أن ننتظر فجر القيامة بثقةٍ وثبات. آمين”.
وفي نهاية الرتبة أقيم تطواف داخل الكاتدرائية بنعش السيد المسيح حيث تبارك منه المؤمنون.

