Categories: أخبار

المنطقة العازلة بالنار في الجنوب: ضربات مستمرة وتوغلات محدودة وسيناريوهات معقدة

في ظلّ التصعيد المتسارع على الجبهة الجنوبية، يعود جنوب لبنان إلى قلب الحسابات الأمنية الإسرائيلية، لكن بصيغة مختلفة تتجاوز مفهوم الاحتلال التقليدي نحو محاولة فرض واقع ميداني مرن يمتد حتى نهر الليطاني. وبين تصريحات يسرائيل كاتس ومواقف بنيامين نتنياهو، يتضح أن ما يجري لا يندرج في إطار تصعيد عابر، بل ضمن مسار مدروس يهدف إلى إعادة رسم قواعد الاشتباك وحدود السيطرة، عبر مزيج من الضغط الناري والتوغلات المحدودة، من دون الانزلاق إلى كلفة السيطرة المباشرة والدائمة.

في هذا السياق، يبدو أن الجنوب متجه نحو نموذج أمني هجين يقوم على ما يمكن تسميته منطقة عازلة بالنار، تسعى من خلالها إسرائيل إلى تحقيق ردع مستدام بأقل كلفة ميدانية ممكنة. غير أن هذا النموذج، رغم واقعيته العسكرية، يصطدم ببيئة قتالية استنزافية وتعقيدات جغرافية وبشرية، إلى جانب توازنات إقليمية متداخلة، ما يجعله عرضة للاهتزاز في أي لحظة.

وفي السياق، يقول العميد الركن بهاء حلال إن الجنوب لا يبدو انه يتجه نحو احتلال طويل الأمد بالمعنى الكلاسيكي، أي تمركز قوات ثابتة داخل القرى والإمساك المباشر بالأرض، بل إن المعطيات الميدانية ترجّح مسارًا مختلفًا يقوم على محاولة فرض واقع أمني مرن على طول الشريط الحدودي، من دون الانزلاق إلى كلفة التمركز الدائم، فالتجربة الحالية تشير بوضوح إلى أن أي قوة تدخل القرى تواجه نمطًا قتاليًا استنزافيًا يعتمد على الاشتباك القريب، ثم الانسحاب، فاستدراج القوات إلى نقاط قاتلة، ما يجعل كلفة البقاء أعلى بكثير من كلفة التوغل نفسه، ويحوّل مسك الأرض من إنجاز عسكري إلى عبء ميداني مستمر.

انطلاقًا من ذلك، يبدو، وفق العميد حلال، أن المقاربة الأكثر ترجيحًا تقوم على نموذج هجين يجمع بين الضربات النارية المستمرة، سواء الجوية أو المدفعية، وبين توغلات محدودة ومؤقتة، إلى جانب السعي لإخلاء أو تفريغ المناطق الحدودية من أي بنية عسكرية معادية. وبهذا المعنى، نحن أمام محاولة لفرض منطقة عازلة بالنار، أكثر منها منطقة محتلة بقوات على الأرض، مع ذلك، فإن تثبيت هذا الواقع كأمر دائم يواجه، بحسب حلال، تحديات جدية. أول هذه التحديات يتمثل في الرفض المحلي واستمرار المقاومة، ما يمنع تحقيق استقرار أمني فعلي في أي شريط عازل، أما التحدي الثاني فهو الضغط الدولي، إذ إن فرض تغييرات طويلة الأمد على الحدود يحتاج إلى غطاء سياسي غير مضمون، فيما يبقى العامل الثالث مرتبطًا بقدرات الرد المقابلة، حيث إن استمرار تهديد العمق الإسرائيلي يقلل من فاعلية أي منطقة عازلة ويفقدها جزءًا أساسيًا من جدواها.

أما سيناريو إعادة رسم الحدود، فيبقى الأضعف في المرحلة الراهنة، إذ يتطلب، وفق حلال، تسوية سياسية كبرى تتجاوز الميدان، ولا يمكن فرضه عبر تفوق عسكري مؤقت. وعليه، فإن المشهد الحالي أقرب إلى حالة استنزاف مدروسة، تسعى من خلالها إسرائيل إلى فرض شريط أمني بالنار والضغط، من دون الذهاب إلى احتلال مستقر أو تعديل رسمي للحدود. غير أن هذا المسار يبقى قابلًا للتطور في حال طال أمد الحرب أو تبدلت موازين القوى أو تعاظمت التدخلات الدولية، ما قد يفتح الباب أمام ترتيبات أمنية شبه دائمة، من دون أن ترقى إلى تغيير حدودي واضح.

لكن هذا الإطار لا يختصر كل الاحتمالات، إذ إن المشهد أكثر تعقيدًا ويتسع لسيناريوهات إضافية تتقاطع وتتداخل في ما بينها. فقد نشهد، بحسب العميد حلال، ما يمكن تسميته بـالتجميد الميداني، حيث لا حرب شاملة ولا تهدئة فعلية، بل خطوط تماس شبه ثابتة وقواعد اشتباك غير معلنة، تتراجع معها التوغلات الواسعة لصالح عمليات محدودة وانتقائية، ما يخلق جبهة تبدو هادئة ظاهريًا لكنها قابلة للاشتعال في أي لحظة.

وفي موازاة ذلك، يبرز، كما يقول حلال، احتمال الوصاية الأمنية غير المباشرة، حيث تُفرض قيود على الجنوب عبر مزيج من الضغط الدولي والترتيبات الميدانية، من دون احتلال مباشر، وربما مع دور أكبر للأطر الدولية أو ترتيبات رقابية مشددة، ما يؤدي إلى تقليص هامش الحركة العسكرية مقابل هدوء نسبي هش، كما لا يمكن استبعاد سيناريو الاختراق الداخلي، حيث يتحول الضغط من الميدان إلى الداخل اللبناني، عبر أدوات سياسية واقتصادية وأمنية، بهدف تعديل موازين القوى تدريجيًا، ما يترجم في أزمات داخلية متراكمة بدل مواجهات عسكرية مفتوحة.

وفي سياق متصل، يظل سيناريو التصعيد المحسوب الإقليمي حاضرا، حيث ترتبط الجبهة اللبنانية بساحات أخرى، كـسوريا أو غزة أو حتى التوتر الإيراني–الإسرائيلي، فيصبح لبنان، بحسب العميد حلال جزءًا من ردود متبادلة أوسع، تشهد تصعيدًا متقطعًا لا تحكمه فقط الحسابات المحلية. أما الانكفاء التكتيكي فيمثل بدوره احتمالًا قائمًا، يقوم على خفض مستوى الحضور العسكري المباشر مؤقتًا، مقابل إعادة بناء القدرات بهدوء، بانتظار لحظة مناسبة لإعادة فرض التوازن، ما يخلق هدوءًا نسبيًا يخفي تحضيرات لمرحلة لاحقة.

إذا كان الميدان يحدد شكل الاشتباك، فإن مرحلة ما بعد الحرب تُصاغ، كما يقول العميد حلال، إلى حد كبير عبر أدوار القوى الإقليمية، التي لن تغادر الساحة اللبنانية، بل ستعيد تنظيم حضورها وأدواتها. في هذا الإطار، ستسعى إيران إلى تثبيت معادلة الردع عبر إعادة التموضع، مع التركيز على النوعية بدل الكثافة، والانتقال جزئيًا من الحضور المباشر إلى العمل غير الظاهر، سواء على المستوى الاستخباري أو التقني أو عبر تطوير قدرات نوعية. الهدف هو الحفاظ على النفوذ ومنع انهيار معادلة الردع، من دون الانجرار إلى حرب شاملة جديدة. في المقابل، ستعمل إسرائيل على فرض واقع أمني جديد في الجنوب، يتجاوز عمليًا حدود القرار 1701، عبر تقييد انتشار حزب الله، والاعتماد على مزيج من الضغط الدولي والضربات الاستباقية عند الحاجة، بما يحقق معادلة “حرب بلا حرب”، أي ردع دائم مع تدخل موضعي عند الضرورة. أما دول الخليج، ولا سيما السعودية، فقد تعود إلى الانخراط في لبنان من بوابة إعادة الإعمار، لكن بشروط واضحة تتعلق بالإصلاحات السياسية والاقتصادية، وبإعادة التوازن داخل مؤسسات الدولة. وبهذا المعنى، يصبح الدعم الخليجي جزءًا من معادلة التوازن مع إيران، لا خروجًا منها، في حين قد تحاول تركيا توسيع حضورها عبر الاقتصاد والمساعدات الإنسانية، وربما من خلال أدوار سياسية محدودة، خاصة في الشمال، إلا أن تأثيرها سيبقى دون مستوى اللاعبين الأساسيين، ويبقى العامل السوري عنصرًا حاسمًا في هذه المعادلة، باعتباره الممر الجغرافي والاستراتيجي بين إيران وحزب الله، ما يجعل أي تحول في سوريا — استقرارًا أو تصعيدًا — ذا انعكاس مباشر على الساحة اللبنانية.

وبين طموح فرض وقائع جديدة وحدود القدرة على تثبيتها، يبقى الجنوب ساحة مفتوحة على صراع طويل يتجاوز الحسابات العسكرية الضيقة، حيث تتداخل معادلات الميدان مع حسابات السياسة، وتتقدم احتمالات الاستنزاف والتجميد على أي حسم نهائي قريب.

المصدر: خاص لبنان24

المصدر: Lebanon24

News Desk

Share
Published by
News Desk

Recent Posts

الوزير مرقص عن الاجتماع الوزاري بالسرايا: تركيز على الوضع الميداني وكيفية الإبقاء على الإمدادات الى أهالي القرى الصامدة

عُقد الاجتماع الوزاري اليومي في السرايا الحكومية برئاسة رئيس مجلس الوزراء القاضي الدكتور نواف سلام،…

دقيقة واحدة ago

سلام يتابع الأوضاع الميدانية ودعم قرى الصمود

عقب الاجتماع، أعلن وزير الإعلام بول مرقص أن "رئيس الحكومة عرض مع المجتمعين الوجود العسكري…

3 دقائق ago

تعاون بين جامعة الروح القدس – الكسليك ومركز اليوسف الاستشفائي التعليمي لاعتماده مستشفى تعليميًا للتدريب السريري

وقّعت جامعة الروح القدس - الكسليك ممثّلة برئيسها الأب البروفسور جوزف مكرزل، اتفاق تعاون أكاديمي…

6 دقائق ago

المطران ضاهر يعتذر عن عدم تقبل التهاني بالفصح

 أعلنت أمانة سر مطرانية طرابلس وسائر الشمال للروم الملكيين الكاثوليك، في بيان، ان المطران إدوار…

6 دقائق ago

ريسيتال في بلدة فيطرون

أُقيم في رعيّة مار جرجس – فيطرون ريسيتال روحي بعنوان "معكَ... من الجلجلة إلى القيامة"،…

11 دقيقة ago

اجتماع في قرصيتا: جريمة جيرون فضيحة وطنية والدولة تتحمل المسؤولية

عقد في بلدة قرصيتا - الضنية اجتماع موسع لمتابعة جريمة قتل أربعة شبان في بلدة…

13 دقيقة ago