كتب طوني عيسى في ” الجمهورية”: يتخبط لبنان الرسمي في وضعية العاجز. فلا هو أساساً مشارك في قرار إشعال الحرب، ولا هو مشارك في قرار إطفائها، فكأنها تدور على أرض لا تعنيه. كما أنه عاجز عن الوفاء بتعهداته تنفيذ قرار وقف النار الذي وقعته الحكومة في 27 تشرين الثاني 2024، وعاجز عن اتخاذ قرار بدخول المفاوضات أو بمقاطعتها. وبلغت الفضيحة ذروتها بقرار الدولة طرد السفير الإيراني، فتحداها ورفض المغادرة. وهذا الانهيار ستكون له تداعياته العميقة، ليس فقط خلال الحرب، بل في “اليوم التالي”، عندما يدخل البلد مرحلة تثبيت الوقائع الجيوسياسية المستجدة نتيجة لهذه الحرب. المؤكد هو أن الحرب الحالية كشفت الخطأ البنيوي الذي ارتكبته الدولة بتخليها عن دورها كقوة ردع وضمان، وأثبتت أن دخول «حزب الله» في حرب غير مدروسة العواقب مع إسرائيل المتفوقة تكنولوجياً واستخبارياً قد أوقع الداخل اللبناني في العجز المطلق عن توفير الحماية للبلد، كما تبين أن تنكر لبنان المتمادي لمستلزمات القرار 1701 كان خطأ قاتلاً، لأن القرار يبدو اليوم الورقة الوحيدة التي يمكن تسويقها دولياً لمنع إسرائيل من السيطرة على لبنان. وقد أصبح تنفيذه اليوم أقصى طموحات لبنان الرسمي و«حزب الله» على السواء لأنه على الأقل يعطل تمدّد إسرائيل في الداخل ويعيدها إلى الحدود. إذاً، «اليوم التالي» سيكون عسيراً في لبنان، فالعبء الحقيقي لن يقتصر على إعادة الإعمار كما يظن البعض بسذاجة، بل في انفجار الاستحقاقات المؤجلة.
سيكون «اليوم التالي» أصعب من الحرب نفسها، والأنكى أن اللاعب الأساسي المعني، في الداخل، لن يكون مستعداً لإجراء جردة حساب سياسية أو أخلاقية لما فعل، لا اليوم ولا لاحقاً، لا اقتناعاً منه بصوابية ذلك، بل خوفاً من تحميله المسؤوليات التاريخية الهائلة تجاه مجتمعه والبلد، وسيكون «اليوم التالي» للحرب نهاية قسرية للصيغة التي قامت عليها توازنات البلد منذ العام 1943، لتبدأ مرحلة مجهولة المعالم يسودها التفتت الجغرافي والارتهان للخارج، أي لقوى النفوذ الجديدة، في شكل مباشر أو غير مباشر.
وكتبت بولا مراد في” الديار”: في حال نجح حزب الله وإيران في إجبار “إسرائيل” والولايات المتحدة، على إدراج لبنان ضمن أي صفقة مقبلة لوقف الحرب في المنطقة، فمن المرجّح أن يخرج الحزب بمعنويات أعلى بكثير، مقارنة بما كانت معنوياته بعد الحرب السابقة. وفي هذه الحالة، من المستبعد أن تتضمّن أي تسوية مسألة حل الحالة العسكرية للحزب. أما في حال العكس، ولحظ الاتفاق موافقة طهران على حل الجناح العسكري للحزب، مقابل مكاسب استراتيجية لها، فالمؤكد بحسب مصادر سياسية واسعة الاطلاع، أن تكون هناك “مكاسب بالسياسة تعطى لـ”حزب سياسي”، والارجح أنها ستلحظ تغييرات أساسية بالمواقع الأساسية كما بالنظام.
أما بالأمن، فـ “اليوم التالي” قد لا يحمل الاستقرار، بحيث أن الخشية الأساسية بحسب المصادر، هي أن “تعمد تل أبيب الى إشعال فتيل حرب أهلية في لبنان، في حال اكتشفت أن أهدافها لم تتحقق بالحرب المتواصلة، مع محاولة اقحام الطرف السوري لتأجيج الحرب أكثر”. ونبهت المصادر من أن “نقاشات كثيرة انطلقت بعيدا عن الأضواء للاستعداد لهكذا سيناريو، خاصة وأن الاحتقان بين اللبنانيين والهوة أصبحت كبيرة، ما قد يشكل أرضية خصبة لاسرائيل للدفع في هذا الاتجاه”. أما اقتصاديا فسيخرج لبنان من هذه الحرب، سواء انتهت غدا أو بعد أشهر بكارثة اقتصادية ، هو الذي لم يخرج أصلا من الانهيار المالي المتواصل منذ العام 2019. في المحصّلة، لا يبدو أنّ وقف إطلاق النار متى حصل، سيشكّل نهاية الأزمة بقدر ما سيكون بداية مرحلة أشدّ تعقيداً. فـ”اليوم التالي” في لبنان لن يُقاس بمدى صمت الجبهات، بل بقدرة الداخل على احتواء تداعيات تسوية لم تنضج معالمها بعد.
المصدر: Lebanon24