Categories: أخبار

انفتاح حذر من الرياض… ولبنان أمام امتحان الاستقرار

تتقدّم المملكة العربية السعودية في مقاربتها للملف اللبناني بخطوات محسوبة تعكس رغبة حقيقية في إعادة تموضع مدروس في المشهد الداخلي . فالزيارة المرتقبة للوفد السعودي، رغم تقديمها بغطاء اقتصادي مرتبط بالصادرات، تحمل بعداً سياسياً واضحاً، إذ تسعى الرياض إلى تقييم قدرة الدولة على إظهار حدٍّ أدنى من الجدية في ملفات الأمن والحدود والرقابة، تمهيداً لمرحلة قد تشهد مستويات أوسع من الانخراط.

وفي هذا السياق، يبرز التفاؤل الذي عبّر عنه السفير وليد البخاري كعنصر مكمّل للمقاربة الجديدة، إذ يأتي في لحظة يختبر فيها الجانب السعودي إمكان استعادة الثقة المفقودة بلبنان. فالمملكة تربط أي انفتاح فعلي بقدرة الدولة اللبنانية على إنتاج بيئة آمنة للتعاون، ما يجعل الإشارات الإيجابية تعبيراً عن انتظار خطوات ملموسة تعيد ضبط الحدود وتوفّر شروطاً عملية للاستقرار، وهو الأساس الذي تُبنى عليه أي مرحلة لاحقة من الدعم أو الاستثمار.

ويطرح هذا المسار سؤالاً حول المعنى الفعلي للانفتاح السعودي، وما إذا كان يعكس استعداداً لالتقاط التحوّلات الداخلية والتعامل معها بجرعة حذرة من الإيجابية. وبحسب مصادر مطّلعة، لا تُبدي الرياض أي قفزة سياسية غير محسوبة، بل تعتمد مقاربة تقوم على جمع الإشارات ومراقبة السلوك الفعلي للدولة، لذلك تأتي خطواتها محصورة بالملفات التي تُقاس بنتائج مباشرة، في محاولة لاختبار قدرة لبنان على إدارة حدٍّ أدنى من النظام قبل البحث في ملفات أوسع. وبهذا المعنى، تبدو الزيارة المقبلة اختباراً للوقائع لا استجابة للخطابات، ومحاولة لتحديد ما إذا كان المشهد يسمح بمرحلة مختلفة أم أنّ الظروف ما زالت دون مستوى بناء ثقة جديدة.

وفي الجانب اللبناني، يُنظر إلى الحركة السعودية بوصفها فرصة لإعادة انتظام العلاقة مع العالم العربي، لكن على أساس جديد في هذه المرّة. فالتوجّه السعودي الحالي لا يحمل وعوداً كبرى، بل يفتح هامش اختبار دقيق حول ما إذا كانت المؤسسات قادرة على توفير بيئة مستقرة تسمح بعودة الثقة تدريجياً. ومن هنا يجري التعامل مع إعادة الصادرات كخطوة أولى قابلة للقياس، فيما يصبح رفع حظر السفر المؤشّر الفعلي على تغيّر المقاربة. أما سياسياً، فتُقرأ الإشارات السعودية كعودة إلى دورها التقليدي في حماية الاستقرار الإقليمي، من دون أن يعني ذلك الدخول في تسويات أو اصطفافات داخلية. وبهذا المعنى، تبدو الفرصة أمام لبنان مرتبطة بقدرته على التقاط هذا المزاج العربي وتوظيفه بعيداً عن منطق المناكفات، في اتجاه مقاربة أكثر واقعية تتيح للرياض العودة من موقع الداعم لا من موقع المراقب.

وتؤكّد مصادر مطّلعة أنّ هذا المسار لا يحمل أي التباسات، فالسعودية لا تقدّم خطوات مجانية ولا تفتح أبواباً سياسية واسعة قبل أن تتحقّق من قدرة الدولة اللبنانية على معالجة أصل المشكلة. وبحسب المعلومات المتقاطعة، يأتي الوفد السعودي إلى بيروت ضمن إطار ضيّق ومحدّد لا يتجاوز ملفي الأمن والصادرات، ولتقييم الإجراءات المتخذة لوقف التهريب وتنظيم الحدود. وتشير المصادر نفسها إلى أنّ الوفد لن يناقش أي ملفات أخرى، خلافاً لما يراهن عليه البعض، فلا حديث عن سياحة ولا عن مشاريع دعم أو إعادة إعمار قبل أن تُحسم الشروط الأساسية لاستعادة الثقة.

ومن هنا تبدو الزيارة امتحاناً عملياً لمدى قدرة الدولة على تقديم وقائع لا وعود، فإذا نجحت في ذلك تفتح المملكة الباب تدريجياً أمام عودة سياسية واقتصادية أوسع، أمّا إذا بقيت الأمور على حالها، فسيظلّ الانفتاح محكوماً بإطاره التقني ولا يتحوّل إلى مسار مستدام.

المصدر: خاص لبنان24

المصدر: Lebanon24

News Desk

Share
Published by
News Desk

Recent Posts

مكي عرض مع خليل تعزيز التعاون في مجالات رقمنة خدمات الجمارك

استقبل وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية الدكتور فادي مكي في مكتبه بالوزارة، رئيس المجلس الأعلى…

11 دقيقة ago

سلامة العدائين أولاً.. وزارة الصحة تواكب سباقات الركض

 إستقبل وزير الصحة العامة الدكتور ركان ناصر الدين وفد جمعية "بيروت ماراتون" برئاسة مي الخليل…

15 دقيقة ago

اتفاق مصري ـ لبناني لإصلاح خطوط الغاز

شهدت القاهرة مراسم توقيع اتفاقية جديدة لتنفيذ أعمال إصلاح وإعادة تأهيل خطوط الغاز في لبنان،…

26 دقيقة ago

قاصر غادرت منزلها وولم تَعُد لغاية تاريخه.. هل من يعرف عنها شيئًا؟

صــدر عــــن المديريّـة العـامّـة لقــوى الأمــن الـدّاخلي ـ شعبة العـلاقـات العـامّـة البــــــلاغ التّالــــــي: تُعمِّم المديريّة…

ساعة واحدة ago

يُعاني من الشلل.. رياضيّ لبناني يعبر البحر من لبنان إلى قبرص مُطلقا مبادرة عالمية (صور)

تمكّن الرياضي اللبناني مايكل حداد الذي يُعاني من شلل يؤثر على  75 بالمئة من جسده،…

ساعتين ago

رئيس الأركان الاسرائيلي في الخيام! (صور)

وكشف زامير أنه منذ بدء عملية "الأسد الزائر" (Roaring Lion)، تم استهداف أكثر من 2000…

ساعتين ago