كتب طوني عيسى في” الجمهورية”: يُشكّل إعلان الخارجية الأميركية عن النص الكامل ل “مذكرة التفاهم” بين لبنان وإسرائيل لحظة حقيقة مرّة. فهذه الوثيقة هي صك أمني يكرّس واقعاً جديداً، بضمان صارم من جانب إدارة دونالد ترامب. عند مقارنة هذه المذكرة بما سبقها، وتحديداً “اتفاق وقف النار” في 27 تشرين الثاني 2024 ، ينجلي حجم الخسارة الاستراتيجية التي مُني بها لبنان. فالمذكرة الحالية انتزعت من إسرائيل “حقاً شرعياً” لم تجرؤ على المطالبة به رسمياً من قبل. فهي تنص على احتفاظها ب “الحق في الدفاع عن النفس” داخل لبنان، ما يعني عملياً تحويل الأجواء والأراضي اللبنانية إلى ساحة مفتوحة لسلاح الجو الإسرائيلي، يضرب فيها متى شاء وأينما شاء، بتقدير منفرد للتهديد. كما أنّ هذه المذكرةتجاوزت مربّع الليطاني والقرار 1701 ، ونزع السلاح الممرحل، لتفرض بشكل واضح ومباشر نزع سلاح “حزب الله” في كل لبنان كأولوية لأي خطوة أخرى. وإذا ما وُضعت المذكرة الحالية في ميزان التاريخ، فسيتضح أنّ لبنان ينزلق في مسار انحداري لا هوادة فيه:اتفاق الهدنة ( 1949 ): كان الأفضل على الإطلاق. إذ ثبّت الحدود الدولية ووضع لبنان في موقع “الجار المستقر” بعيداً عن أطماع التوسع.
القرار 425 ( 1978 ): جاء ليطالب بانسحاب إسرائيلي غيرمشروط، وكان أفضل من كل ما تلاه من ترتيبات أمنية هجينة.القرار 1701 ( 2006 ): على رغم ثغراته، حافظ على “قشرة” من السيادة عبر دور “اليونيفيل” والجيش اللبناني في منطقة جغرافية محدّدة (جنوب الليطاني). اتفاق تشرين الثاني ( 2024 ): كان “بداية التآكل”، إذ بدأ بعده الحديث عن لجان مراقبة وتفكيك بنى تحتية تحت ضغط الدمار الهائل.
مذكرة نيسان الحالي: هي محطة أخرى في الاندفاع نحو القعر، إذ أصبحت إسرائيل “شريكاً أمنياً” في مراقبة الداخل اللبناني، وأصبح “حزب الله” “هدفاً قانونياً” دولياً وليس مجرد طرف عسكري.
والمعضلة الكبرى هي أنّ العقل السياسي والعسكري “المقاوم”يمضي في هذا المسار الذي يؤدي في كل محطة إلى نتائج أسوأ من تلك التي سبقتها. فهل يفكر هذا العقل بما سيأتي بعد مذكرة نيسان؟ أم سيعتبر أنّه هذه المرّة انتصر فعلاً وأنّه سيعوّض كل الخسائر التاريخية السابقة دفعة واحدة؟
المقارنة بين اتفاقات 1949 و 2026 (بمسافة 77 عاماً) تكشف أنّ لبنان خسر “الدولة” في سبيل “القضية”، ثم خسر “القضية” في سبيل “المحور”، لينتهي به الأمر اليوم كبش محرقة في سوق المقايضات الإقليمية والدولية. وبالتأكيد، “مذكرة التفاهم” الحالية هي مقدّمة لما هو أسوأ إذا استمر منطق الانتحار المجاني.الخروج من عنق الزجاجة لا يكون بمزيد من “الصراخالأيديولوجي”، فوق أنقاض القرى المحروقة والمدمّرة والمهجّرة حتى إشعار آخر. فهل ننتظر “مذكرة التفاهم” المقبلة، وفيها نبكي على أطلال مذكرة 2026 ، كما نبكي اليوم على أطلال الاتفاقات والتفاهمات الميتة؟
المصدر: Lebanon24