قد يكون من المفيد جدّا استحضار أغنية الفنانة هيفا وهبه، التي أصبحت على كل شفة ولسان، “بدنا نروق…بدنا نهدا شوي”، في كل مركز إيواء اللبنانيين المبعدين قسرًا عن بلداتهم وقراهم ومنازلهم، في مختلف المناطق اللبنانية، التي لم تتعرّض للاعتداءات الإسرائيلية حتى الآن، إلاّ إذا كان من بين المهجرين عناصر تنتمي إلى “حزب الله”، (أي منتمٍ إلى “الحزب” لا يحصل على بطاقة حزبية إن لم يخضع لدورات تدريبة عسكرية مكثّفة، ويحصل في نهايتها على تنويه من قيادته العسكرية).
فالوضع غير الطبيعي الذي يعيشه المشردّون من منازلهم بفعل التهديدات الإسرائيلية والقصف الذي تتعرّض له بلداتهم وقراهم، وهم يفتقرون إلى الحدّ الأدنى من العيش اللائق والكريم، وإن مؤقتًا، يجعل الأعصاب مشدودة ومتوترة. وهذا من شأنه أن ينشأ عنه بعض التصرفات الاستفزازية من قبل كلا الطرفين، أي المهجرين والمستقبلين. فكلمة واحدة “بتجنّن”، وكلمة أخرى “بتحنّن”. أمّا إذا تمكّن المستقبلون من تفهم الظروف القاهرة التي تضغط على اللاجئين، وتجعل أعصابهم مشدودة، وهم الذين لا يعرفون شيئًا عن مصير أحبتهم ومنازلهم وأرزاقهم، فإن الجو يتحوّل تدريجيًا، وبفضل وعي مشترك، من متشنج وكثير الضباب إلى جو ينحو إلى التحسّن وانقشاع الغيوم السود، التي تلبّد سماء لبنان.
ومع تزايد حالات التهجير بفعل إصرار إسرائيل على تحقيق هذه المرّة ما لم تستطع أن تنجزه في حربها السابقة تتصاعد حالات التوتر في مراكز الإيواء، التي لا تستطيع أن تلبي كل حاجات العائلات المهجّرة، وذلك بسبب ضعف الإمكانات، على رغم ما يأتي إلى لبنان من مساعدات من أكثر من دولة عربية وغربية ومن منظمات إنسانية، إذ أن أعداد النازحين إلى تزايد يومي، الأمر الذي يجعل مسألة إمدادهم بالحد الأدنى من المتطلبات الحياتية الضرورية ناقصة وغير مكتملة العناصر.
وهذا الواقع يدفع بعدد كبير من النازحين إلى لوم “الدولة” على تقصيرها في توفير ما يحتاجون إليه في هذه الظروف الصعبة، التي تبدو أنها آيلة إلى التفاقم أكثر فأكثر كلما تطوّر الوضع الميداني، من دون أن تخلو هذه الملامة من بعض التوترات المتنقلة، والتي يضعها البعض في خانة بعض الذين يسعون إلى فتنة داخلية. وعادة ما يُطلق على هذا “البعض” تسمية “الطابور الخامس”، وهو “الطابور”، الذي يحاول الاستفادة من بعض حالات الفوضى بهدف الاصطياد بالمياه العكرة.
غير أن تحميل المسؤوليات لـ “الدولة”، على أهميته، لا يكفي وحده لضبط الإيقاع داخل مراكز الإيواء، لأن المشكلة، في جوهرها، هي مشكلة إدارة يومية لتفاصيل معيشية دقيقة، حيث تتقاطع الحاجات مع الضغوط النفسية، وتلتقي المعاناة مع محدودية الإمكانات. ومن هنا، يصبح الانتقال من ردّ الفعل إلى الفعل المنظّم ضرورة لا خيارًا.
فأولى الخطوات العملية تبدأ بتنظيم الحياة داخل مراكز الإيواء نفسها، من خلال تشكيل لجان مشتركة من النازحين والمجتمع المضيف، بإشراف البلديات أو الجهات المعنية، تتولّى إدارة الشؤون اليومية، من توزيع المساعدات إلى تنظيم الأدوار والخدمات، بما يخفّف من الشعور بالغبن أو التمييز، الذي غالبًا ما يكون شرارة الاحتكاك الأولى.
كما أن الشفافية في توزيع المساعدات تبقى عنصرًا أساسيًا في تهدئة النفوس. فحين يعرف الجميع ما هو المتوافر وما هو غير المتوافر، تتراجع الشائعات، ويخفّ التوتر الناتج عن الإحساس بالحرمان أو المحاباة. وهنا يبرز دور الجهات المنظمة في وضع لوائح واضحة ومعلنة، تُحدّث بشكل يومي.
ولا يقلّ أهمية عن ذلك، تخصيص مساحات للحوار داخل هذه المراكز، ولو بشكل بسيط، حيث يمكن للنازحين والمستضيفين التعبير عن هواجسهم ومشكلاتهم، بدلًا من أن تتحوّل هذه الهواجس إلى احتقان مكتوم ينفجر عند أول احتكاك. فالكلمة، كما هي قادرة على إشعال الخلاف، قادرة أيضًا على امتصاصه.
ومن بين الإجراءات الضرورية أيضًا، الاهتمام بالدعم النفسي، ولو بالحد الأدنى، خصوصًا للأطفال والنساء، الذين يعيشون صدمة النزوح بكل تفاصيلها. فالتوتر النفسي غير المعالج ينعكس سلوكًا متشنجًا، قد يُساء فهمه من الطرف الآخر، فيتفاقم الخلاف بدلًا من احتوائه.
أما على مستوى مسؤولية الدولة، فإن المطلوب ليس فقط زيادة حجم المساعدات، بل تحسين إدارتها وتوزيعها، ووضع خطة طوارئ واضحة تتعامل مع النزوح كأزمة مستمرة، لا كحالة عابرة. فالتخبّط في إدارة الأزمات يضاعف من حدّة الاحتكاكات، حتى لو توافرت الموارد.
قد يكون التهجير قسرًا من أقسى ما يمكن أن يعيشه الإنسان، لكن الأخطر منه أن يتحوّل هذا الألم إلى صدام بين أبناء البلد الواحد. فلبنان، الذي لم تسقطه الحروب، قد تضعفه الانقسامات الصغيرة إذا تُركت من دون معالجة.
لذلك، ربما تختصر عبارة “بدنا نروق…بدنا نهدا شوي” كل ما هو مطلوب في هذه المرحلة: قليل من الصبر، قليل من التفهّم، وكثير من الوعي بأن هذه الغمامة، مهما اشتدّت، ستمر، وأن ما سيبقى في النهاية، ليس الخلافات العابرة، بل الطريقة التي اختار بها اللبنانيون أن يواجهوا محنتهم معًا.