وبحسب مصادر مطلعة على أجواء موقف عين التينة، فإن بري قرأ في ما خرج من واشنطن محاولة لتثبيت مقاربة تنطلق من الهواجس الإسرائيلية وتحوّلها إلى شروط تنفيذية، سواء عبر ربط أي تهدئة بملف سلاح “حزب الله”، أو عبر التعامل مع الجنوب كمساحة قابلة لإعادة الترتيب الأمني وفق ما تريده إسرائيل، فيما تُترك الحقوق اللبنانية الأساسية خارج أي التزام واضح، من وقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي إلى ملف الأسرى وعودة الأهالي إلى مناطقهم. ومن هنا لم يتعامل بري مع الورقة، وفق المصادر، كأرضية صالحة للحل، بل كصيغة مختلّة لا يمكن أن تنتج وقفاً فعلياً لإطلاق النار ولا تسوية قابلة للحياة.
وتلفت المصادر، الى أن بري تعمّد تأخير إعلان موقفه إلى ما بعد لقائه قائد الجيش العماد رودولف هيكل، رغم أن موقفه من الورقة كان قد تبلور منذ اللحظة الأولى. وفي هذا السياق، فإن رئيس المجلس أراد من خلال هذا التوقيت سحب النقاش من دائرة الاصطفاف السياسي الضيق إلى دائرة المصلحة الوطنية الأوسع، والتأكيد أن موقفه يتجاوز التباينات السياسية الداخلية، وينطلق من زاوية ما يراه مصلحة وطنية تتطلب إعادة النظر في المسار المطروح قبل الذهاب بعيداً في نتائجه. ومن هنا جاء تشديده على أن المشكلة لا تكمن في نقاش الحاجة الى وقف إطلاق النار، بل في الصيغة التي خرج بها مسار واشنطن وما يمكن أن تفرضه من وقائع سياسية وأمنية على لبنان تحت هذا العنوان.
وترى المصادر أن الرئيس بري كان يعتبر منذ البداية أن مسار واشنطن لن يفضي إلى نتيجة إيجابية للبنان، لأن الورقة المطروحة لم تنطلق من مقاربة متوازنة بين الطرفين، بل من رؤية تضع المطالب الإسرائيلية في موقع الشروط المسبقة، فيما تُترك القضايا المرتبطة بالاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية والحقوق اللبنانية خارج أي التزام مماثل. ولذلك فهو أعاد طرح معادلة تقوم على التزامن والتوازن، وليس على الإجراءات الأحادية الجانب.
وفي هذا السياق، اكتسب موقف “حزب الله” أهمية خاصة. فالكلمة التي ألقاها الأمين العام الشيخ نعيم قاسم وضعت سقفاً سياسياً واضحاً للتعامل مع المرحلة المقبلة، قبل أن يأتي موقف بري ليمنح هذا السقف ترجمة سياسية وتفاوضية أكثر تفصيلاً. لذلك لم يُنظر إلى ما صدر عن الرجلين بوصفه موقفين منفصلين، بل كجزء من رؤية واحدة أعادت رسم حدود النقاش وحددت ما هو مقبول وما هو مرفوض في أي مسار مقبل.
وإذ اكتسب موقف بري بعداً إضافياً مع التحذيرات التي أطلقها الزعيم وليد جنبلاط من الانخراط في عملية تفاوضية مفتوحة بلا إطار نهائي واضح، فان التقاطع بين الموقفين لم يكن تفصيلاً سياسياً، بل مؤشراً إلى وجود مخاوف مشتركة من أن يتحول البيان إلى واقع قائم بذاته، فيما تبقى النتائج الفعلية للبنان مؤجلة أو غير مضمونة. وهو ما عزز موقع بري التفاوضي والسياسي، وأظهر أن الاعتراض على المسار المطروح ليس محصوراً بقوة سياسية واحدة، بل بات يعكس هواجس تتجاوز الاصطفافات التقليدية حيال الاتجاه الذي يمكن أن يقود إليه هذا المسار.
وفي جوهره، أعاد هذا التقاطع التذكير بحقيقة لطالما حكمت الحياة السياسية اللبنانية، وهي أن أي مسار لا يأخذ في الاعتبار موازين القوى الداخلية محكوم بالاصطدام بالواقع اللبناني عاجلاً أم آجلاً مهما بلغ حجم الرعاية الخارجية التي يحظى بها. فلبنان ليس دولة تُدار بقرار أحادي، ولا ساحة يمكن فرض الترتيبات فيها من خارج توازناتها المعقدة. ومن هنا اكتسب موقف بري بعداً يتجاوز الاعتراض على الورقة نفسها، ليؤكد أن تجاوز القوى الأساسية المعنية بهذا الملف لن يؤدي إلى تسوية مستقرة، بل إلى إعادة إنتاج الأزمة بصيغة جديدة.
وترى المصادر أن موقف بري لم يكن مجرد تسجيل اعتراض سياسي على بيان صدر بموافقة الدولة اللبنانية، بل إسقاط محاولة التعامل مع هذا البيان بوصفه مرجعية نهائية أو واقعاً لا يمكن تعديله. فبمجرد طرحه معادلة مختلفة قائمة على وقف شامل لإطلاق النار وانسحاب متبادل ومتزامن، انتقلت الورقة من موقع المسلّمات إلى موقع الجدل السياسي. وما إن دخلت هذه العناصر إلى النقاش حتى سقط الادعاء بأن الطريق أصبح معبداً نحو التنفيذ، وعادت كل الفرضيات إلى الطاولة من جديد.
في المحصلة، لم يكتفِ رئيس مجلس النواب برفض المسار الذي خرج من واشنطن، بل وجّه إليه ضربة سياسية أصابت جوهره. فبعدما بدا أن البيان وضع البلاد أمام أمر واقع جديد، أعاد بري خلط الأوراق بالكامل، وأسقط فكرة أن ما طُرح يشكل نهاية النقاش. وهكذا تحولت الورقة التي قُدمت على أنها مدخل إلزامي للمرحلة المقبلة إلى مجرد اقتراح سياسي يحتاج بدوره إلى تفاوض، فيما عاد القرار اللبناني إلى ساحة التوازنات الداخلية التي أثبتت مرة جديدة أنها قادرة على تعطيل أي مسار لا يأخذها في الاعتبار.

