لا يزال القرار اللبناني بسحب اعتماد السفير الإيراني المعيّن ومنحه مهلة للمغادرة يترك أصداءً واسعة في الأوساط السياسية، خصوصًا مع ردّ “حزب الله” الحاد عليه، واعتباره الأمر بمثابة “خطيئة وطنية كبرى”، ومطالبته بالتراجع الفوري عنها، فضلًا عن موقف “حركة أمل” الداعي إلى تصحيح سريع لما جرى، الأمر الذي نقل المسألة سريعًا من إطارها الخارجي إلى قلب الاشتباك السياسي الداخلي.
وجاء انعقاد جلسة مجلس الوزراء من دون وزراء” الثنائي الشيعي” ليؤكد ان المشكلة مرشحة للتصاعد .
وقد لا يكون موقف “حزب الله” تفصيلًا في هذا المشهد، فهو تعامل مع الخطوة منذ البداية بوصفها جزءًا من ضغط سياسي متدرج على موقعه، وعلاقاته، ومعنى حضوره داخل المعادلة اللبنانية. ومنذ اللحظة الأولى، كان لافتًا حرص الخزب على عدم التعامل مع ما جرى بوصفه خلافًا تقنيًا على اعتماد دبلوماسي، بل رفع السقف إلى حد اعتباره خضوعًا لإملاءات خارجية، بما لا ينسجم مع مبادئ السيادة التي يرفعها المهلّلون للخطوة.
باختصار، لا يرى “حزب الله” في ما جرى حادثة منفصلة، بل حلقة ضمن مناخ سياسي أوسع يحاول إعادة رسم حدود العلاقة بين الدولة اللبنانية وإيران، وربما أيضًا إعادة طرح موقع الحزب نفسه داخل الدولة من زاوية مختلفة. فحين يشعر الحزب بأن الضغط بات يلامس رمزيته السياسية وعلاقاته الإقليمية وحدود حركته الداخلية، يصبح النقاش في رد فعله جزءًا أساسيًا من فهم المرحلة كلها. فما هي الخيارات المتاحة أمامه؟ وأين يقف بين التصعيد والاحتواء؟
لماذا يبدو موقف “حزب الله” حادًا؟
لا يصعب فهم أسباب هذا السقف المرتفع في خطاب “حزب الله”. فبالنسبة إليه، لا تتعلق المسألة باسم السفير الإيراني وحده، ولا حتى بطريقة إبلاغه القرار، بل بالمعنى السياسي الكامن خلف الخطوة. ولذلك، فهو ينطلق في حدة اعتراضه من قناعة بأن المسألة ليست “تقنية” تتعلق ببروتوكول دبلوماسي، بل تمسّ مباشرة معنى العلاقة الاستراتيجية مع طهران، وتختبر موقعه هو كطرف أساسي في المعادلة اللبنانية.
بالنسبة إلى الحزب، فإن الصمت أو الليونة في هذا الملف قد يُفهمان كقبول ضمني بتغيير قواعد الاشتباك السياسي الداخلي. علاوة على ذلك، يربط الحزب بين أزمة السفير وبين مسار ضاغط بدأ يتبلور منذ أشهر، مع تصاعد الدعوات الدولية والمحلية إلى حظر نشاطه العسكري وحصر السلاح بيد الدولة. ولهذا، يبدو منطقيًا أن يتعامل الحزب مع الحدث بوصفه جزءًا من مسار ضاغط، لا واقعة منفصلة يمكن احتواؤها بسهولة أو فصلها عما يحيط بها من أحداث.
وإضافة إلى ذلك، تحضر العلاقة العضوية بين الحزب وإيران في صلب هذا النقاش. فكطهران بالنسبة إليه، هي جزء من بنيته الاستراتيجية ومرجعيته الإقليمية، والعلاقة ليست مجرد حلف أو صداقة. ومن هنا، فإن أي محاولة لبنانية رسمية لشد هذه العلاقة أو إعادة تعريفها تُقرأ لديه حكمًا بوصفها تطورًا يمسه مباشرة، حتى لو جاء القرار في الصيغة الدبلوماسية الشكلية المرتبطة بالسفير. لذلك، يعكس اعتراضه في مكان ما شعوره بأن هناك من يحاول، تحت ضغط الحرب واللحظة الإقليمية، اختبار حدود نفوذه السياسي داخل الدولة اللبنانية.
خيارات “حزب الله”.. بين التصعيد والاحتواء
أمام هذا المشهد، تتأرجح خيارات “حزب الله” بين ثلاثة مسارات أساسية، لكل منها “فاتورته” إن صحّ التعبير، ولو تفاوتت تأثيراتها. أول الخيارات، وربما أسهلها ظاهريًا، التصعيد السياسي الداخلي. ويتمثل ذلك في رفع السقف الإعلامي والسياسي إلى أقصى حد، والضغط على القوى الحكومية لمنع تحويل هذا القرار إلى “سابقة” يمكن البناء عليها في ملفات أخرى أكثر حساسية، مثل سلاح الحزب أو انتشاره.
وإذا كان هذا الخيار يبدو واقعيًا، باعتبار أن التصعيد يهدف إلى رسم “خطوط حمراء” سياسية تمنع المزيد من التآكل في نفوذه الرسمي، فإن الخيار الثاني لا يقل احتمالًا، وهو الاحتواء المرحلي، بما يوازن بين الاعتراض اللفظي العنيف والحفاظ على “شعرة معاوية” مع المؤسسات الرسمية. في هذا المسار، يكتفي الحزب بتسجيل موقف حاد ضد القرار، مع ترك الباب مواربًا أمام تسوية تضمن عدم تحويل الإجراء إلى مسار دائم أو قاعدة قابلة للبناء عليها مستقبلًا.
أما الخيار الثالث، فهو التكيّف القسري، أي التسليم الضمني بأن ميزان اللحظة لا يسمح بأكثر من الاعتراض اللفظي، خصوصًا إذا كان الحزب يدرك أن الضغوط عليه لم تعد محصورة في الساحة اللبنانية، بل ترتبط أيضًا بمسارات إقليمية أوسع وبنقاشات تتصل بلبنان في أي ترتيبات أو تفاهمات مقبلة. في هذه الحالة، قد يختار الاحتفاظ باعتراضه المبدئي، من دون أن يذهب بعيدًا في خطوات مضادة، على قاعدة أن الأولوية تكون لمنع توسيع الخسارة لا لقلب المعادلة فورًا.
في المحصلة، لا تبدو أزمة السفير الإيراني ملفًا دبلوماسيًا عابرًا يمكن فصله عن بقية المشهد. فبالنسبة إلى “حزب الله”، هي جزء من لحظة سياسية أكثر حساسية، يُعاد فيها اختبار حدود الدولة، وحدود العلاقة مع طهران، وحدود موقعه هو داخل المعادلة اللبنانية ومن هنا، فإن ما بعد الأزمة قد يكون أهم منها: لأن المرحلة المقبلة ستكشف ما إذا كان الحزب سيختار التصعيد دفاعًا عن موقعه، أو الاحتواء لتطويق الخسارة، أو التكيّف مع ميزان جديد يفرض عليه إعادة حساباته. وهنا تحديدًا يبرز السؤال الذي يتقدّم على ما عداه: إلى أين يذهب “حزب الله”؟