في قلب النقاش الدائر عن مفاعيل الاتفاق الأميركي – الإيراني، يطفو على سطح الأحداث اللبنانية ملف يُقدَّم أحياناً كأنه تفصيل ديبلوماسي، بينما هو في الواقع مرآة دقيقة لطبيعة التوازنات الداخلية والإقليمية، وتحديدًا دور السفير الإيراني محمد رضا شيباني غير المعتمد حتى الآن في بيروت وحدود حركته وتأثيره السياسي.
ظاهرياً، لا يخرج الأمر عن الإطار التقليدي للعلاقات بين الدول. فالسفير، وفق اتفاقية فيينا للعلاقات الديبلوماسية، هو ممثل رسمي لدولته، مهمته الأساسية رعاية العلاقات الثنائية والامتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية للدولة المضيفة. ومن هذه الزاوية، تبدو المعادلة واضحة، من حيث القواعد الديبلوماسية التي تحكم السلوك، وآليات معروفة لمعالجة أي تجاوز، من الاستدعاء إلى الاحتجاج، وصولاً إلى إعلان “شخص غير مرغوب فيه” في الحالات القصوى.
لكن في الحالة اللبنانية، نادراً ما تبقى الأمور ضمن هذا الإطار النظري الصرف. فلبنان، بحكم تركيبته السياسية وتعقيدات توازناته الداخلية، غالباً ما يتحول إلى ساحة تتداخل فيها الديبلوماسية مع السياسة، والتمثيل الخارجي مع الاصطفافات الداخلية. وهنا تحديداً يصبح أي تحرك ديبلوماسي موضع قراءة سياسية، وأي تصريح سفير جزءاً من معادلة إقليمية أوسع.
من هذا المنظور، لا يمكن فصل إشكالية الدور الديبلوماسي الإيراني في لبنان عن السياق الأكبر الذي يحكم العلاقة بين طهران وواشنطن، خصوصاً إذا ما اتجه الطرفان إلى اتفاق جديد يعيد تنظيم قواعد الاشتباك في المنطقة. فالاتفاق الأميركي – الإيراني، لن يكون مجرد تفاهم حول ملفات ثنائية، بل محاولة لإعادة ضبط النفوذ في ساحات متعددة، بينها لبنان، الذي يُعدّ تقليدياً من أكثر الساحات حساسية وتشابكاً.
في هذه الحال، قد يتبدل موقع السفير نفسه من كونه جزءاً من مناخ سياسي متوتر إلى أداة في إدارة تهدئة محسوبة. فخفض منسوب التصريحات السياسية، وتقليص الانخراط في الملفات الداخلية، وإعادة التركيز على الإطار الديبلوماسي التقليدي، كلها عناصر قد تُطرح كجزء من “قواعد سلوك جديدة” تُواكب أي تفاهم إقليمي محتمل. غير أن هذا التحول، إن حصل، لن يكون قراراً شخصياً أو ديبلوماسياً صرفاً، بل انعكاساً لتفاهمات أوسع قد تُعيد رسم حدود الدور والنفوذ.
مع ذلك، يبقى جوهر الإشكالية في مكان آخر. فلبنان لا يواجه فقط سؤال سلوك سفير أو حدود نشاطه، بل سؤالاً أعمق يتعلق ببنية الدولة نفسها وقدرتها على إدارة سياستها الخارجية بصوت واحد. فحين تتعدد المرجعيات الداخلية، وتتشابك الولاءات السياسية مع التوازنات الإقليمية، يصبح من الصعب الفصل بين الديبلوماسية والسياسة، وبين ما هو رسمي وما هو غير رسمي.
من هنا، تبدو أي معالجة لملف السفير الإيراني في لبنان مرتبطة حكماً بثلاثة مستويات متداخلة: أولها، قواعد العمل الديبلوماسي كما يحددها القانون الدولي، وثانيها طبيعة العلاقة بين بيروت وطهران في ضوء أي تسوية إقليمية محتملة، وثالثها، وهو الأهم، قدرة الدولة اللبنانية على فرض منطقها السيادي داخل نظام سياسي شديد التشظي.
فهذا الملف لا يُختزل بشخص أو موقع، بل يعكس ميزان القوى في مرحلة انتقالية قد تكون مفصلية. فإذا أنتج الاتفاق الأميركي – الإيراني إعادة ضبط حقيقية لقواعد النفوذ، فقد يتحول دور الديبلوماسيين إلى أدوات تهدئة بدلًا من أن يكونوا عناوين اشتباك. أما إذا بقيت المنطقة أسيرة إدارة الأزمات، فسيبقى كل سفير جزءاً من صراع أكبر من حدود موقعه، مهما بدت وظيفته رسمية وهادئة في الشكل.
وهكذا، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يذهب لبنان نحو ديبلوماسية مضبوطة بقواعد تسوية إقليمية جديدة، أم يبقى ساحة تتقدم فيها السياسة على الديبلوماسية، وتتحول فيها السفارات إلى امتداد غير مباشر لصراعات لم تُحسم بعد؟

