ومع اندلاع المواجهة الأخيرة، دخل الاقتصاد اللبناني مرحلة استنزاف مباشر. فقدّرت وزارة الاقتصاد كلفة الحرب بما يتراوح بين 60 و80 مليون دولار يوميًا، مع احتمال ارتفاعها إلى أكثر من 100 مليون دولار في حال تجددت العمليات. وتعكس هذه الأرقام حجم النزف الذي يطال مختلف مفاصل الاقتصاد، من الإنتاج إلى الاستثمار وصولًا إلى القدرة الشرائية. كما تشير التقديرات إلى احتمال انكماش الناتج المحلي بنحو 9%، في وقت يُتوقع أن يرتفع التضخم إلى حدود 18.5%، مع تسجيل معدلات بطالة قد تتجاوز 46%.
وعلى المستوى القطاعي، بدت تداعيات الحرب أكثر وضوحًا، حيث أدى القصف والتوتر الأمني إلى إغلاق عدد كبير من المصانع، خصوصًا في الجنوب والضاحية، ما قد يفضي إلى تراجع الإنتاج الصناعي بنحو 40%. كما اضطرت نسبة كبيرة من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة إلى الإقفال أو تقليص نشاطها بشكل ملحوظ. في المقابل، تراجعت الصادرات الصناعية والزراعية نتيجة المخاطر التي طالت المعابر والطرق الحيوية، ما أعاد الاقتصاد إلى نقطة قريبة من الصفر بعد تحسن نسبي خلال العام السابق.
غير أن التأثير الأعمق للحرب لا يقتصر على المؤشرات الاقتصادية المباشرة، بل يمتد إلى البنية المالية للدولة. إذ تشير تقديرات إلى احتمال تراجع إيرادات الدولة بنحو 50% خلال عام 2026، ما ينذر بعجز واسع في الموازنة واستنزاف إضافي لاحتياطات مصرف لبنان من العملات الأجنبية. ومع تقلص هذه الاحتياطات، تتراجع قدرة المصرف المركزي على ضبط سعر الصرف والحد من التضخم، ما يهدد بدخول البلاد في موجة جديدة من عدم الاستقرار النقدي.
في هذا السياق، يصبح الحديث عن مرحلة ما بعد الحرب أكثر تعقيدًا، إذ لا يواجه لبنان تحدي إعادة الإعمار فحسب، بل أزمة مركّبة تشمل الدين العام، والقطاع المصرفي، وتراجع الثقة المحلية والدولية. وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى فجوة مالية في القطاع المصرفي تُقدّر بنحو 60 مليار دولار، ما يجعل أي مسار للتعافي مرتبطًا بإعادة هيكلة شاملة لهذا القطاع.
وقد شدد الصندوق في تقاريره على أن أي برنامج إنقاذ يتطلب تنفيذ إصلاحات عميقة، تشمل إعادة هيكلة المصارف، وإصلاح السياسات المالية والضريبية، إلى جانب تأمين تمويل لإعادة الإعمار وتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية. كما أشار إلى أن لبنان سيحتاج إلى دعم خارجي واسع بشروط ميسّرة، في ظل محدودية قدرات الدولة على تمويل عملية إعادة البناء.
ورغم وضوح المسار الاقتصادي المطلوب، تبقى العقبة الأساسية سياسية بالدرجة الأولى. فلبنان يمتلك مقومات نظرية للتعافي، من موقعه الجغرافي إلى حيوية قطاعه الخاص وموارده البشرية، إلا أن هذه العوامل ظلت معطّلة بفعل الانقسام السياسي وتعثر مؤسسات الدولة، ما أعاق تنفيذ الإصلاحات لسنوات.
في ضوء هذه المعطيات، لا يبدو أن الاقتصاد اللبناني بعد الحرب سيكون امتدادًا لما قبله، بل مرشح لتحول في طبيعته. ففي حال توقفت الحرب دون إطلاق مسار إصلاحي جدي، قد يستمر الاقتصاد في نمط “البقاء”، مع اعتماد متزايد على التحويلات الخارجية والاقتصاد غير الرسمي. أما إذا ترافقت نهاية الحرب مع توافق سياسي ودعم دولي، فقد تبرز فرصة لإعادة بناء الاقتصاد على أسس أكثر إنتاجية، بعيدًا عن النموذج الريعي الذي ساد لعقود.
وبين هذين المسارين، يقف لبنان في مرحلة ضبابية. فالحرب سرّعت وتيرة الانهيار، لكنها في الوقت نفسه كشفت حدود النموذج الاقتصادي السابق. ومن هنا، فإن التحدي لا يكمن فقط في وقف الحرب، بل في تحديد المسار الذي ستسلكه البلاد بعدها.
قد تنتهي المواجهة عسكريًا في وقت ما، لكن تداعياتها الاقتصادية مرشحة للاستمرار لسنوات. ويبقى مستقبل الاقتصاد اللبناني مرهونًا بالسياسات التي ستُعتمد في مرحلة ما بعد الحرب، أكثر مما هو مرتبط بنتائجها الميدانية.
المصدر: Lebanon24
وكان ماكرون قد اعتبر في منشور على حسابه على "إكس" أن "كل المؤشرات تفيد" بأن…
دعت جامعة الروح القدس – الكسليك، ممثلةً بمكتبتها، الأفراد والعائلات في لبنان إلى المشاركة في…
كتب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عبر منصة "اكس": "استشهد الرقيب أول فلوريان مونتوريو، من فوج…
استنكر وزير العدل عادل نصار الحادثة التي وقعت مع دورية تابعة لقوة الأمم المتحدة "اليونيفيل"…
أكد النّائب وليد البعريني، خلال سلسلة لقاءات في مكتبه، أن "لبنان دخل مرحلة تاريخية جديدة،…
يشهد العالم سباقاً فضائياً غير مسبوق. إطلاقات الصواريخ تتزايد خلال الحروب، والاستثمارات تتسع، والفضاء لم…