5 أبريل 2026, الأحد

بعد جلجلته الطويلة…قيامة لبنان آتية

Doc P 1508099 639109761741779696
لم تكن القيامة في الزمان والمكان حدثًا عاديًا في التاريخ، ولا مجرد معجزة تُروى، بل كانت أكثر من هذا وذاك بكثير. كانت انقلابًا على منطق الموت نفسه. وهو حدث يتكرّر في كل مرّة يواجه فيها المؤمن أي صعوبة من أي نوع كان. وهكذا هي حال لبنان، الذي طالت جلجلته، وبقيت قيامته مرهونة بمدى قدرة أبنائه على مواجهة التحدّيات، ومدى قدرتهم على مقارعة الصعوبات، والوقوف صفًّا واحدًا في وجه الأعاصير، التي تنذر بعواقب وخيمة من شأنها تغيير وجهه الحضاري القائم على وحدة بُنبت يوم قام “لبنان الكبير”، وبقيت صامدة على رغم ما تعرّضت له من تجارب وخضّات وهزّات.

ففي فجر اليوم الثالث، لم يخرج السيد المسيح من القبر فقط، بل خرجت معه من الظلمات فكرة لا تزال مجال أخذ وردّ في المدارس اللاهوتية والفلسفية، وهي أن النهاية ليست قدرًا، وأن كل مؤمن سيقوم مع  من قام من الموت، الذي يعتبره أباء الكنيسة بداية لحياة جديدة، وأن الحجر، مهما كان ثقيلًا، لا يستطيع أن يحبس الحياة.

فلبنان اليوم يشبه ذلك القبر، الذي امتلأ مع المسيح نورًا يشّع أملًا وفرحًا وحبورًا. وعلى رغم أنه مثقلٌ بحجارة الأزمات، التي تبدو لوهلة عصّية على أن تتدحرج، وأن تُزاح عن صدره، وعلى رغم أنه محاصرٌ بنار الحرب المستعرة، والتي تهدّد كيانه بالانهيار، وعلى رغم أن يديه مثقوبتان بمسامير حرب ضروس لا هوادة فيه، وعلى رغم أنه مثقل بخيبات أبنائه، الذين ينتظرون الأمل بغد موعود أفضل.

يظن كثيرون من اللبنانيين كتلامذة المسيح أن القصة انتهت عند حافة القبر، وأن بلدهم مكتوب عليه أن يبقى في ظلامه، وأن ما تهدّم لا يمكن أن يُعاد بناؤه، وأن ما تفرّق لا يمكن أن إعادة جمعه. لكن التاريخ، كما الإيمان، يقول غير ذلك فكما أن الصليب لم يكن نهاية السيد المسيح، قد لا يكون هذا الانهيار الرهيب نهاية لبنان. وكما بدا القبر محكم الإغلاق قبل القيامة، يبدو لبنان اليوم وكأنه في لحظة إقفال كامل: حرب مجنونة تأكل الأخضر واليابس، وتنزل أشد الخسائر بالبشر والحجر، اقتصاد منهار، دولة عاجزة وفاشلة، شعب مسحوق ومشرّد ومتعب، وهجرة تسرق ما تبقى من روحه. ومع ذلك، وفي عمق هذا الليل، ثمة ما يشبه الرجاء الصامت.

فلبنان ليس مجرد أرض تُحتل أو تُحرّر، ولا مجرد نظام سياسي يضعف أو يقوى، بل هو فكرة عاشت أكثر من كل الأزمات، وبقيت أقوى من كل من حاول كسرها. فهذا البلد الذي مرّ عليه كثير من الغزاة والاحتلالات، والحروب والوصايات، والانهيارات والاغتيالات، لم ينتهِ. تعب، نعم. نزف، كثيرًا نعم. انكسر مرات. لكنه في كل مرة كان يعود. ليس لأن معجزات تحصل، بل لأن في هذا البلد شيئًا يشبه القيامة، إذ لدى اللبنانيين قدرة غامضة على النهوض، وعنادًا في البقاء، وإيمانًا، ولو خافتًا، بأن الغد يمكن أن يكون مختلفًا.

فالقيامة لم تلغِ الصليب، بل أعطته معنى. وكذلك لبنان، قد لا تُمحى جراحه سريعًا، ولا تُردّ خسائره بسهولة، لكن هذا لا يعني أن نهايته قد كُتبت.

في السياسة، كما في الإيمان، ليست كل الهزائم نهائية، وليست كل القبور أبدية. ولهذا، قد يبدو لبنان اليوم في قلب الظلمة، لكن هذه الظلمة في منطق القيامة ليست سوى لحظة تسبق الفجر. والسؤال لم يعد: هل سقط لبنان؟ بل هو: هل يملك اللبنانيون الإيمان الكافي ليؤمنوا بأنه سيقوم؟

وكما كانت القيامة بالنسبة إلى الرسل الخائفين والمرعوبين والمشتتين والضائعين بداية الطريق نحو الخلاص الأبدي، هكذا هي حال اللبنانيين اليوم، الذين يعيشون، كما عاشوا على مرّ سنوات طويلة، لحظة الانتظار، لحظة بزوع نور فجر جديد لا بدّ آت بعد ليل مدلهم طويل، وبعد جلجلة من المعاناة والصبر وطول أناة.

المصدر: Lebanon24