دخل لبنان مسارًا سياسيًا شديد الحساسية مع تثبيت هدنة “الأيام العشرة” برعاية أميركية، وانطلاق المحادثات المباشرة في واشنطن بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي للمرة الأولى منذ أكثر من ثلاثة عقود. وفي وقت يُنتظر فيه استكمال الجولة الثانية هذا الأسبوع، يبدو المشهد أكثر تعقيدًا ممّا يظهر في العلن؛ إذ إنّ لبنان يدخل هذا المسار من دون تماسك داخلي كافٍ، بينما لا تزال إسرائيل تفاوض من خلف “ساتر” الوقائع الميدانية التي تفرضها جنوبًا.
المعضلة هنا لا تختصرها هشاشة الهدنة، ولا الجدل التقني حول أسماء أعضاء الوفد ومستوى التمثيل. فما يبرز اليوم هو انقسام لبناني بنيوي حول “معنى” التفاوض المباشر وجدواه: هل هو ضرورة ملحّة لوقف نزيف الدماء، أم هو تنازل سياسي يفتح الباب أمام مقاربات تمسّ جوهر السلاح ووظيفة الجنوب؟ ولماذا يذهب لبنان اليوم إلى تفاوض مباشر، بعدما كان التفاوض “غير المباشر” كافيًا لإنهاء كل جولات الصراع السابقة؟
هذا السؤال لم يعد طي الكتمان، بعدما خرج اعتراض “حزب الله” إلى العلن بلهجة مباشرة لا تحتمل التأويل. ومن هنا، لا يبدو النقاش محصورًا في “كيفية” الذهاب إلى واشنطن، بل في “كلفة” الذهاب أصلًا إلى مسار تفاوضي يبدو لبنان منقسمًا على أصله، فيما تحاول إسرائيل فرض المزيد من الوقائع بالنار على خطه. فهل تملك الدولة اللبنانية الحد الأدنى من الإجماع الذي يمنحها شرعية التفاوض من موقع الندّ السياسي، لا من موقع “المضطر” لمنع الأسوأ؟
لماذا يعارض “حزب الله” التفاوض المباشر؟
في المبدأ، لا ينطلق اعتراض الحزب من تفاصيل إجرائية أو حساسية بروتوكولية فحسب. فقد عبّر النائب حسن فضل الله عن جوهر الموقف بدعوته الصريحة إلى الخروج من هذا المسار، مؤكدًا أن أحدًا لن يتمكن من نزع سلاح الحزب، ومتعهدًا بإسقاط “الخط الأصفر” الذي تسعى إسرائيل لفرضه. وتكمن أهمية هذا الكلام في ربطه بين التفاوض وبين مشروع أوسع يرى الحزب أنه يستهدف إعادة صياغة البيئة الأمنية والسياسية التي يتحرك داخلها.
في قراءة الحزب، تكمن المشكلة في “توقيت التفاوض”؛ إذ يجري في وقت تحاول الآلة العسكرية الإسرائيلية خلق واقع جديد في الجنوب، وفي ظل خطاب إسرائيلي يربط أي ترتيبات دائمة بـ”منطقة عازلة” وحرية عمل عسكري. ويعني ذلك، من وجهة نظر الحزب، أن الطاولة قد تتحول من وسيلة لمعالجة آثار الحرب إلى أداة لقطف نتائجها سياسيًا، ولذلك، يأتي الاعتراض كرفض للمسار وأهدافه المضمرة، لا لشكل الجلسات فقط.
لهذا السبب، يصرّ الحزب على أن أي خيار مصيري كهذا يجب أن يمر عبر تفاهم وطني عريض، لا عبر قرار تتخذه السلطة التنفيذية وتطلب من القوى الداخلية “التكيّف” معه لاحقًا. فالتفاوض المباشر، في منظوره، ليس ملفًا تقنيًا محدودًا، بل قرار يفتح الباب لإعادة ترتيب قواعد الاشتباك ودور الدولة، وعندما يغيب هذا التوافق، يصبح الاعتراض بالنسبة إليه دفاعًا عن موقعه وقراءته لمآلات المرحلة.
هل يصحّ التفاوض بلبنان “المشظّى”؟
هنا تبرز العقدة الأكبر. فالتفاوض في ملفات بهذا الحجم لا يحتاج إلى وفد فقط، وإنما إلى غطاء سياسي داخلي يتيح تحويل أي نتائج لاحقة إلى قرار قابل للحياة. وإذا كان طرف لبناني أساسي ينظر إلى المسار نفسه بوصفه موضع شبهة أو تهديد، فإن ذلك يضعف موقع لبنان قبل الدخول في تفاصيل الشروط والبنود، ولا سيما أن الطرف المقابل لا يقرأ فقط هوية الجالسين إلى الطاولة، بل يقيس مدى تماسك الكتلة الوطنية التي تقف خلفهم.
تزداد الكلفة السياسية لأن إسرائيل لا تفاوض من موقع موازٍ، فهي تدخل المحادثات ممسكة بخريطة انتشار جديدة داخل الجنوب، وتفرض نطاقات محظورة على السكان، وتواصل أعمال الهدم في القرى الحدودية، وكأنّ هذه العمليات غير مشمولة بوقف إطلاق النار. في المقابل، يذهب لبنان بطبقة إضافية من الضعف: انقسام على المبدأ، وحساسيات حول التفويض، وقلق من أن يتحول التفاوض إلى “إدارة منظمة للخسارة” بدلاً من استعادة المبادرة.
وفوق ذلك، تبدو الدولة اللبنانية وكأنها تخوض هذا الغمار بلا مظلة عربية صلبة تحصّن قرارها، إذ تشير التقديرات إلى أن عواصم مؤثرة نصحت بالتروي والتحصن داخليًا قبل المضي بعيدًا، ما يعني أن بيروت تتحمل عبء تبرير هذا المسار داخليًا وخارجيًا في آن واحد. وهنا يصبح إصرار الدولة رهانًا مرتفع الكلفة: فإما أن تُسجّل نجاحًا يمنع الانفجار، أو تُتَّهم بفتح مسار حساس من دون سند لبناني جامع ولا غطاء عربي واضح.
لا شكّ أنّ الدولة تراهن على أن الجلوس إلى الطاولة، رغم مرارته، يبقى أقل كلفة من ترك الجنوب رهينة هدنة هشة واحتلال يراكم الوقائع يوميًا. هو رهان مفهوم مبدئيًا، لكنه مشروط بضابطين: ألا يكون التفاوض بديلًا عن التفاهم الداخلي، وألا يكتفي لبنان بطلب وقف النار بينما يفاوض الطرف الآخر على “ما بعد الحرب”. فمن دونهما، قد يجد لبنان نفسه في مسار تفاوضي بلا سند، أمام خصم أكثر تماسكًا في أهدافه وأوضح في شروطه. وعندها، لن تكون المشكلة في “الطاولة”، بل في الذهاب إليها تحت ضغط الميدان وصدع الانقسام في وقت واحد.
المصدر: Lebanon24