10 مارس 2026, الثلاثاء

بين اعلان الانتصار الاميركي وشروط طهران….الى أن تتّجه الحرب؟

Doc P 1494359 639087336184413163
في خضم التصعيد العسكري المستمر في المنطقة، برزت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي أعلن فيها أن الحرب انتهت تقريبا وأن الولايات المتحدة الاميركية خرجت منتصرة، معتبراً أن القوة العسكرية الإيرانية تعرضت لضربة قاضية. غير أن قراءة أوسع لمسار الأحداث الميدانية والسياسية توحي بأن هذا الإعلان لا يعكس واقع المعركة بقدر ما يرتبط بمحاولة التأثير في المناخ الاقتصادي والأسواق العالمية، ولا سيما سوق الطاقة.

فالتصريح الأميركي تزامن مع تحرّك سريع في أسعار النفط، إذ تراجع سعر البرميل من مستويات قاربت 119 دولاراً إلى ما دون 90 دولاراً خلال فترة وجيزة. ويُقرأ هذا الانخفاض في أوساط اقتصادية باعتباره انعكاساً مباشراً لخطاب يهدف إلى تهدئة المخاوف من توسّع الحرب، ما يخفف الضغط على الأسواق العالمية ويمنع انفلات الأسعار في لحظة حساسة للاقتصاد الدولي.

لكنّ خلف هذه الصورة الاقتصادية، تشير مصادر دبلوماسية مطّلعة إلى أن المواجهة لم تتوقف فعلياً. فالضربات المتبادلة ما زالت مستمرة، فيما تتعرض القوات الأميركية والإسرائيلية لهجمات شبه يومية تُنسب إلى الحرس الثوري الإيراني. وفي هذا السياق، تبدو طهران بعيدة عن القبول بوقف شامل للمواجهة ما لم يتحقق إطار سياسي ينسجم مع شروطها الأساسية.

من جهة أخرى، ترى المصادر أن خطاب الانتصار الذي صدر عن ترامب يعكس أيضاً بحثاً عن مخرج سياسي من أزمة معقّدة وجدت فيها واشنطن و”تل أبيب” نفسيهما في مواجهة ارتدادات غير متوقعة. فالتصعيد العسكري، بدلاً من أن يؤدي إلى إضعاف خصومهما، ساهم في إعادة تنشيط محور المقاومة ورفع معنوياته بصورة لافتة مقارنة بالسنوات الأخيرة، ما جعل الحرب تتحول إلى عبء سياسي داخلي وخارجي.

وقد زاد هذا المشهد تعقيداً الاتصال السريع الذي جرى بين ترامب ورئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو عقب إعلان الرغبة بوقف الحرب، حيث تحدّث ترامب لاحقاً عن تنسيق بين الجانبين بشأن هذا المسار. إلا أن طهران سارعت إلى نفي وجود وقف لإطلاق النار، مؤكدة في المقابل وجود وساطات دولية تسعى إلى احتواء المعارك.

وبحسب المصادر نفسها، فإن هذه الوساطات برزت بعد اتصال بين ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وتشمل تحرّكات تقودها أطراف دولية مثل روسيا وفرنسا والصين، إلى جانب أدوار إقليمية لكل من سلطنة عُمان ومصر.

في موازاة ذلك، تتحدث المصادر عن مجموعة شروط تعتبرها طهران أساساً لأي اتفاق محتمل لوقف الحرب؛ وأول هذه الشروط الحصول على ضمانات واضحة تمنع تكرار أي هجوم مستقبلي ضدها. أما الشرط الثاني فيتعلق بضرورة إدراج لبنان ضمن أي صيغة لوقف إطلاق النار، إذ تؤكد طهران أن أي اتفاق لا يشمل الساحة اللبنانية لن يكون ملزماً لها.

أما على مستوى الملفات الاستراتيجية، فتشير المصادر إلى أن إيران ترفض العودة إلى أي مفاوضات مباشرة مع واشنطن بشأن برنامجها النووي، مستندة إلى تجربة سابقة تعتبر فيها أن إدارة ترامب نقضت التزاماتها خلال مسار التفاوض. لذلك تفضّل طهران أن تتم أي تسوية محتملة عبر وساطات دولية أو إقليمية بديلة.

وفي الإطار نفسه، تتمسّك القيادة الإيرانية بثلاثة ملفات تعتبرها خطوطاً حمراء غير قابلة للتفاوض: البرنامج النووي السلمي، وبرنامج الصواريخ الباليستية، وحق حركات المقاومة في المنطقة. وتُعدّ هذه العناصر جزءاً من الثوابت التي يحرص المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي على تثبيتها في أي مسار سياسي مقبل.

بالتوازي مع هذه التطورات الخارجية، بدأت ملامح مواجهة سياسية داخل الولايات المتحدة الاميركية نفسها. فقد أعلن عدد من أعضاء الكونغرس من “الحزب الديمقراطي” أن وزير الدفاع بيت هيغسيث ووزير الخارجية ماركو روبيو سيخضعان قريباً لجلسة استماع علنية أمام الكونغرس لمناقشة خلفيات الحرب وتداعياتها، في خطوة قد تتحول إلى مساءلة سياسية وقانونية لإدارة ترامب.

وفي ضوء هذه المعطيات، ترى المصادر أن التقييم النهائي لهذه الحرب لم يتبلور بعد. فالولايات المتحدة الاميركية وإسرائيل أعلنتا منذ البداية أهدافاً كبرى شملت إسقاط النظام الإيراني، وتفكيك برنامجه النووي، وتدمير قدراته الصاروخية، وصولاً إلى إقامة نظام سياسي جديد في طهران. غير أن مسار المعارك حتى الآن لا يشير إلى تحقق هذه الأهداف.

وعليه، يبدو أن المواجهة دخلت مرحلة مختلفة عنوانها البحث عن تسوية تحفظ ماء الوجه للأطراف المنخرطة فيها. وفي المقابل، تنظر طهران إلى اللحظة الراهنة باعتبارها فرصة لإعادة تثبيت موقعها الإقليمي وتعويض التدهور الذي مُني به محور المقاومة خلال العامين الماضيين، مستندة إلى شروط تعتبرها جزءاً من ثوابتها الاستراتيجية غير القابلة للمساومة.

 

المصدر: Lebanon24