20 مارس 2026, الجمعة

بين التفوق الجوي والصمود البرّي… لبنان يُستنزَف

Doc P 1500189 639095941069534028
ما سبق أن قيل في هذه الزاوية بالذات من أن لبنان لن يكون لقمة سائغة في فم إسرائيل، وأن حربها مع “حزب الله” لن تكون نزهة هذه المرّة، جاءت الوقائع الميدانية لتثبت صوابية هذه النظرة، من دون أن يعني ذلك أن الجيش الإسرائيلي، بما يملك من إمكانات حربية، غير قادر على تحقيق ما يسعى إليه في المنطقة الجنوبية، أقّله على عمق ما يقارب الخمسة عشر كيلومترًا، إن لم يكن أكثر، على طول حدوده الشمالية من الناقورة حتى شبعا. ولكن تبيّن للقيادة الحربية في تل أبيب أن دون التوصل إلى الغايات العسكرية المرجوة عقبات كثيرة. ولعل أهم هذه العقبات أن الجيش الإسرائيلي يلقى عبر توغّله البرّي البطيء مقاومة شرسة. وقد يكون من بين أسباب نجاح التصدّي للمخططات الإسرائيلية أن مقاتلي “حزب الله” ذهبوا إلى الحرب بنية “يا قاتل يا مقتول”، وهم في أغلبيتهم من أبناء القرى المستهدفة، ويعرفون الطبيعة الجغرافية أكثر بكثير من الجيش الإسرائيلي، ولديهم من الصواريخ المضادة للمدرعات ما يفيض، وفق ما هو واضح من خلال سير معارك المواجهة على أكثر من محور. وهذا ما دفع القيادة العسكرية الإسرائيلية إلى إعادة رسم خطط بديلة. وهذا ما يفسّر كثافة الغارات الجوية التي تستهدف القرى الجنوبية والبقاعية والضاحية الجنوبية لبيروت.

فبعد 20 يومًا من بدء حرب إسرائيل على لبنان يمكن اختصار المشهد الحربي على الشكل التالي: تفوق إسرائيلي جوي عبر الطيران الحربي والمسيّرات، وعبر ما لديه من “داتا” معلوماتية مهمة وتكنولوجيا متقدمة تسمح له بإلحاق أضرار جسيمة في الجسم الهرمي لـ “المقاومة الإسلامية”، وفي البيئة الحاضنة.

في المقابل، فإن استمرار “حزب الله” في إطلاق صواريخه ومسيّراته في اتجاه العمق الإسرائيلي، يثبت أن لديه مخزونًا كافيًا من هذه الصواريخ، التي تمكّنه من مواصلة الحرب لفترة طويلة، على رغم الخسائر البشرية والمادية التي يتكبدّها، مع صمود واضح في المواجهات البرّية، التي يبدو أن ظروفها مغايرة عمّا كانت عليه في حرب “الاسناد الأولى”.

غير أن ما يلفت في هذه المرحلة ليس فقط توازن الردع الميداني النسبي، بل التحوّل في طبيعة المواجهة نفسها. فإسرائيل، التي كانت تراهن على حسم سريع عبر الضربات الجوية الكثيفة، تجد نفسها أمام حرب استنزاف مفتوحة، لا تستطيع حسمها برًّا من دون كلفة بشرية عالية، ولا إنهاءها جوًا من دون تحقيق أهدافها الاستراتيجية. وهذا ما يضعها أمام معادلة معقّدة، وهي إمّا الاستمرار في الحرب مع ما يحمله ذلك من استنزاف داخلي، أو البحث عن مخرج سياسي يحفظ ماء الوجه.

في المقابل، يدرك “حزب الله” أن قدرته على الصمود، على أهميتها، لا تعني القدرة على تحقيق انتصار حاسم، بقدر ما تعني منع إسرائيل من تحقيق انتصارها. وهذه معادلة سبق أن حكمت المواجهات السابقة، لكنها اليوم تأتي في ظروف داخلية لبنانية أكثر هشاشة، حيث لم يعد الاقتصاد يحتمل، ولا البنية التحتية قادرة على الصمود طويلًا تحت وطأة الضربات المتواصلة.

وبين هذين الواقعين، يبرز العامل الدولي كعنصر ضاغط في اتجاه احتواء التصعيد. فالمؤشرات الديبلوماسية توحي بأن هناك مساعي حثيثة لإعادة إحياء مسار وقف إطلاق النار، سواء عبر تعديل آليات “الميكانيزيم” أو عبر طرح صيغ جديدة توازن بين متطلبات الأمن الإسرائيلي والهواجس اللبنانية، من دون الوصول إلى مفاوضات مباشرة في هذه المرحلة.

لكن، وعلى رغم كل هذه المساعي، فإن الخشية تبقى قائمة من أن يطول أمد هذه الحرب، وأن تتحول إلى مواجهة مفتوحة على احتمالات أكثر خطورة، خصوصًا إذا ما اتسعت رقعة الاشتباك إقليميًا، أو إذا قررت إسرائيل الذهاب إلى مغامرة برّية أوسع، في محاولة لكسر معادلة الصمود التي يفرضها “حزب الله” حتى الآن.

في الظاهر لا يبدو أن أيًا من الطرفين قادر على حسم المعركة لمصلحته في المدى المنظور. فإسرائيل عاجزة عن تحقيق أهدافها الكاملة، و”حزب الله” متمكّن من الصمود من دون القدرة على فرض نهاية الحرب بشروطه. وبين هذا العجز المتبادل، يبقى لبنان هو الخاسر الأكبر، يدفع ثمن حرب تتجاوز حدوده، فيما تتآكل مقومات صموده يومًا بعد يوم. وفي انتظار لحظة التسوية، التي لا تزال بعيدة، سيبقى السؤال معلّقًا: كم يستطيع لبنان أن يصمد قبل أن تفرض عليه الوقائع ما لم يستطع فرضه في السياسة؟

 
المصدر: خاص لبنان24

المصدر: Lebanon24