29 مارس 2026, الأحد

بين الفقر والصواريخ والاستهداف العدواني.. الصحافي اللبناني في أخطر مهنة

Doc P 1504696 639103701096012042
لم تعد أزمة الصحافة في لبنان مقتصرة على تراجع الإعلانات أو ضعف المؤسسات الإعلامية، بل تحولت إلى أزمة مركبة تضرب الصحافي في لقمة عيشه وأمنه الشخصي في آن واحد. فمنذ الانهيار المالي الذي بدأ عام 2019، وجد عدد كبير من الصحافيين أنفسهم في مواجهة واقع شديد القسوة، من رواتب فقدت قيمتها، إلى تأخير مستمر في الدفع، وصرف تعسفي، ومؤسسات تحاول البقاء بصعوبة.
 
ومع اندلاع الحرب الإسرائيلية على لبنان، ازدادت المخاطر، فلم يعد الصحافي يواجه فقط هشاشة المهنة، بل أيضاً خطر الاستهداف المباشر خلال التغطية الميدانية، كما حصل بالامس عندما استهدف العدو الاسرائيلي الزميلين علي شعيب وفاطمة فتوني والمصور التلفزيوني محمد فتوني فيقطوا شهداء جددا في قافلة أحرار الكلمة.

في الجانب الأول من هذه الأزمة، يبدو المشهد الإعلامي اللبناني وكأنه يسدد فاتورة الانهيار الذي أصاب البلاد كلها. فمن ناحية أولى تعيش السوق الإعلامية “أزمة عميقة” تهدد استقرار المهنة نفسها، فيما يشهد القطاع الإعلامي اللبناني تراجعاً حاداً في الاستدامة المالية، وانخفاضاً في الأجور، وغياباً للأمان الوظيفي.

 
هذا الواقع دفع كثيراً من الصحافيين إلى البحث عن فرص خارج المؤسسات المحلية، سواء عبر العمل مع قنوات ووكالات عربية، أو الاتجاه إلى العمل الحر، أو حتى الخروج من المهنة نهائياً. وحتى المؤسسات العريقة لم تكن بمنأى عن هذه الضربة، كما أظهرت الإغلاقات والتقليصات التي شهدها القطاع خلال السنوات الأخيرة.

هذه الهجرة المهنية ليست مجرد تفصيل عابر، بل تعكس تحوّلاً عميقاً في واقع المهنة. فالصحافي اللبناني، الذي كان يعمل سابقاً ضمن مؤسسة محلية توفر له حضوراً مهنياً وحماية نسبية، بات مضطراً للبحث عن مظلة مالية خارجية فقط ليضمن الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي.

 
ومع مرور الوقت، لم يعد هذا خياراً فردياً، بل صار توجهاً واسعاً شمل صحافيين ومراسلين ومعدين ومقدمي نشرات، توجهوا إلى مؤسسات عربية أو منصات إقليمية، لا لأن ذلك كان خيارهم المهني الأول، بل لأن السوق المحلي لم يعد قادراً على استيعابهم أو تأمين دخل يضمن لهم حياة مستقرة. وهنا تتضاعف الخسارة، التي تبدأ من خسارة للأفراد، وصولا إلى خسارة أيضاً للمشهد الإعلامي اللبناني الذي يفقد تدريجياً جزءاً من طاقاته وكفاءاته.

أما الجانب الثاني من الأزمة، فهو الأكثر خطورة وقسوة، لأنه يمس السلامة الجسدية مباشرة. فمنذ اتساع رقعة الحرب إلى لبنان، لم تعد التغطية الميدانية مجرد عمل شاق، بل أصبحت مهمة محفوفة باحتمال الموت.

 
وقد أشارت منظمة “مراسلون بلا حدود” إلى أن القيود المفروضة على الصحافيين تصاعدت منذ 7 تشرين الأول 2023 مع امتداد الحرب إلى الأراضي اللبنانية، فيما وثقت تقارير حقوقية حالات استهداف وقتل وإصابة لصحافيين وعاملين في المجال الإعلامي أثناء التغطية.

ومن احدث الأمثلة الصادمة ما وثقته لجنة حماية الصحافيين حول إصابة طاقم “روسيا اليوم” في جنوب لبنان، بعد سقوط غارة قرب المراسل ستيف سويني والمصور علي رضا خلال عملهما الميداني. كما تم قُتل قبل أيام الصحافي محمد شري من قناة “المنار” في غارة استهدفت مبنى سكنياً في بيروت.

 
وبصرف النظر عن هوية الوسيلة الإعلامية أو توجهها السياسي، فإن الرسالة الأكثر وضوحاً هنا هي أن الصحافي في لبنان بات يعمل داخل مساحة مفتوحة على النار، حيث لا تكفي الخوذة ولا سترة “Press” لتأمين الحماية.

هذا المشهد يضع الصحافي اللبناني أمام معادلة بالغة القسوة. ففي الظروف الطبيعية، يفترض أن ينشغل بالسبق الصحافي، وبالدقة، وبالوصول إلى المعلومة. أما اليوم، فهو يفكر أولاً في راتبه وما إذا كان سيقبضه، ثم في قدرته على الاستمرار، ثم في حياته إن اضطر إلى النزول إلى الميدان. والأخطر من ذلك أن هذه الازدواجية لا تهدد الصحافيين وحدهم، بل تصيب وظيفة الصحافة نفسها في لبنان.

 
فعندما يصبح الصحافي منشغلاً بتأمين الحد الأدنى من العيش، أو مضطراً إلى العمل في ظروف غير آمنة، فإن جودة التغطية تتراجع تلقائياً، ويضيق هامش الاستقلال، وتصبح المهنة أكثر عرضة للترهيب والاستنزاف. وهنا لا تعود الخسارة فردية فقط، بل تتحول إلى خسارة عامة، لأن المجتمع الذي يفقد صحافته المهنية يفقد واحدة من أهم أدواته في كشف الحقيقة، ومساءلة السلطة، ونقل ما يحدث من الميدان كما هو.

المصدر: خاص لبنان 24

المصدر: Lebanon24