Categories: أخبار

ترتيبٌ مقلق.. لبنان يفقد وزنه اللوجستي

جاء لبنان في مرتبة متأخرة على مؤشر أجيليتي للأسواق الناشئة (AEMI) لعام 2026، بعدما حلّ في المركز 44 من أصل 50 دولة شملها التصنيف، متراجعاً بذلك مقارنة بالنسخة السابقة التي كان فيها في موقع أفضل نسبياً. وهذا المؤشر لا يقيس واقع المرافئ والطرق فقط، بل يستند إلى أربعة عناصر أساسية: الفرص اللوجستية المحلية، والفرص اللوجستية الدولية، وأساسيات الأعمال، والجاهزية الرقمية. من هنا، فإن ترتيب لبنان لا يعكس أزمة بنى تحتية وحسب، بل يكشف صورة أشمل عن البيئة الاقتصادية والتشغيلية في البلد.

اقتصادياً، لا يمكن التعامل مع هذا التراجع على أنه مجرد رقم في تقرير دولي. فلبنان الذي لطالما قدّم نفسه على أنه مركز خدمات وأعمال، مستفيداً من موقعه الجغرافي ودوره التقليدي في المنطقة، يبدو اليوم بعيداً أكثر فأكثر عن هذا الموقع. فالمؤشر يقرأ السوق من زاوية واسعة، تشمل كفاءة الحركة الداخلية والخارجية، ومناخ الأعمال، والقدرة على مواكبة التحول الرقمي. وهذا يعني أن المشكلة لا تقتصر على مرفأ متعثر أو طريق غير مؤهل، بل تمتد إلى مجمل البيئة التي يفترض أن تسمح للاقتصاد بأن يعمل بشكل طبيعي: ثقة ضعيفة، مخاطر مرتفعة، وكلفة تشغيل ترهق السوق وتستنزف قدرتها. وإذا كان لبنان قد سجّل نتائج أضعف في الشقين المرتبطين باللوجستيات الدولية وأساسيات الأعمال، فذلك يعبّر بوضوح عن جوهر أزمته الحالية. فالسوق الداخلية، رغم كل ما أصابها، ما زالت تدور بالحد الأدنى، لكن الاختناق الفعلي يظهر عند محاولة وصل لبنان بالخارج، سواء عبر التجارة أو الاستثمار أو تدفقات الخدمات. هنا تحديداً تظهر آثار الانهيار المالي، واهتزاز صورة البلد، وتراجع قدرته على تقديم نفسه كشريك يمكن الوثوق به أو البناء عليه في المدى المتوسط. فالاقتصاد لا يعيش على المبادرات الفردية وحدها، ولا على قدرة الناس على التكيّف فقط، بل يحتاج إلى مناخ عام من الثقة، وهذه هي النقطة الأكثر هشاشة في الحالة اللبنانية اليوم.
وفي قراءة أعمق، يبدو واضحاً أن لبنان يدفع كلفة أزماته المتراكمة دفعة واحدة. فالتوترات الأمنية والمخاطر الإقليمية تضغط من جهة، والانهيار المالي والمؤسساتي يضغط من جهة ثانية، فيما تتآكل تدريجياً العناصر التي كانت تمنحه أفضلية نسبية، سواء بفعل موقعه الجغرافي أو انفتاحه التاريخي على التجارة والخدمات.

لذلك، فإن هذا التراجع لا يعني فقط خسارة مركز في تصنيف دولي، بل يعكس أيضاً خسارة تدريجية للصورة الاقتصادية التي ارتبطت بلبنان لسنوات: بلد مرن، سريع الحركة، وقادر على لعب دور إقليمي في النقل والخدمات والتوزيع.

بهذا المعنى، يمكن النظر إلى ترتيب لبنان في مؤشر أجيليتي على أنه مرآة مكثفة للأزمة اللبنانية بكل أبعادها. فالتراجع اللوجستي ليس أزمة قطاع منفصل، بل نتيجة مباشرة لاقتصاد فقد جزءاً كبيراً من تماسكه.

ومع كل تراجع في كفاءة البيئة اللوجستية، ترتفع كلفة الأعمال، وتتراجع تنافسية الشركات، وتضعف قدرة البلد على جذب أي فرصة جديدة. لذلك، فإن المؤشر لا يقول فقط إن لبنان متأخر لوجستياً، بل يوجّه رسالة أوضح من ذلك: الاقتصاد اللبناني يعمل اليوم بأقل من طاقته، وبكلفة أعلى مما يحتمل، وفي ظل مستوى متدنٍ جداً من الثقة الضرورية لأي نهوض فعلي.

المصدر: Lebanon24

News Desk

Share
Published by
News Desk

Recent Posts

هذه أهداف إسرائيل في لبنان.. القناة الـ”12″ تنشرها

نشرت القناة الـ"12" الإسرائيليّة تقريراً جديداً تحدثت فيه عن استمرار الحرب بين لبنان وإسرائيل، مُتطرقة…

29 دقيقة ago

وفد من المجلس العام الماروني زار مرجعيات روحية وقدّم التهاني بعيد الفصح

زار رئيس المجلس العام الماروني المهندس ميشال متى، على رأس وفد من الهيئة العامة ولجنة…

41 دقيقة ago

التقرير اليومي للعدوان: 1422 شهيدا منذ 2 آذار

نشرت وزارة الصحة العامة التقرير اليومي الصادر عن مركز عمليات طوارئ الصحة حول تطورات العدوان…

52 دقيقة ago

البعريني: للتمسك بمنطق الدولة الحامية والراعية للجميع

تخوف النّائب وليد البعريني، خلال سلسلة لقاءات في مكتبه، من أن تطول الحرب، منبّهًا إلى…

55 دقيقة ago

إستشهاد طفلتين في حبوش… وهذا ما أعلنته وزارة الصحّة عن حصيلة “غارة الحوش”

أعلنت وزارة الصحة في بيان، أنّ الغارة الإسرائيليّة على بلدة حبوش - قضاء النبطية، أدت…

59 دقيقة ago

انقطاع الانترنت عن سنترال بلدة السريرة

أدت الغارات على جسر سحمر الى انقطاع الانترنت عن سنترال بلدة السريرة في منطقة جزين،…

ساعة واحدة ago