اقتصادياً، لا يمكن التعامل مع هذا التراجع على أنه مجرد رقم في تقرير دولي. فلبنان الذي لطالما قدّم نفسه على أنه مركز خدمات وأعمال، مستفيداً من موقعه الجغرافي ودوره التقليدي في المنطقة، يبدو اليوم بعيداً أكثر فأكثر عن هذا الموقع. فالمؤشر يقرأ السوق من زاوية واسعة، تشمل كفاءة الحركة الداخلية والخارجية، ومناخ الأعمال، والقدرة على مواكبة التحول الرقمي. وهذا يعني أن المشكلة لا تقتصر على مرفأ متعثر أو طريق غير مؤهل، بل تمتد إلى مجمل البيئة التي يفترض أن تسمح للاقتصاد بأن يعمل بشكل طبيعي: ثقة ضعيفة، مخاطر مرتفعة، وكلفة تشغيل ترهق السوق وتستنزف قدرتها. وإذا كان لبنان قد سجّل نتائج أضعف في الشقين المرتبطين باللوجستيات الدولية وأساسيات الأعمال، فذلك يعبّر بوضوح عن جوهر أزمته الحالية. فالسوق الداخلية، رغم كل ما أصابها، ما زالت تدور بالحد الأدنى، لكن الاختناق الفعلي يظهر عند محاولة وصل لبنان بالخارج، سواء عبر التجارة أو الاستثمار أو تدفقات الخدمات. هنا تحديداً تظهر آثار الانهيار المالي، واهتزاز صورة البلد، وتراجع قدرته على تقديم نفسه كشريك يمكن الوثوق به أو البناء عليه في المدى المتوسط. فالاقتصاد لا يعيش على المبادرات الفردية وحدها، ولا على قدرة الناس على التكيّف فقط، بل يحتاج إلى مناخ عام من الثقة، وهذه هي النقطة الأكثر هشاشة في الحالة اللبنانية اليوم.
وفي قراءة أعمق، يبدو واضحاً أن لبنان يدفع كلفة أزماته المتراكمة دفعة واحدة. فالتوترات الأمنية والمخاطر الإقليمية تضغط من جهة، والانهيار المالي والمؤسساتي يضغط من جهة ثانية، فيما تتآكل تدريجياً العناصر التي كانت تمنحه أفضلية نسبية، سواء بفعل موقعه الجغرافي أو انفتاحه التاريخي على التجارة والخدمات.
لذلك، فإن هذا التراجع لا يعني فقط خسارة مركز في تصنيف دولي، بل يعكس أيضاً خسارة تدريجية للصورة الاقتصادية التي ارتبطت بلبنان لسنوات: بلد مرن، سريع الحركة، وقادر على لعب دور إقليمي في النقل والخدمات والتوزيع.
بهذا المعنى، يمكن النظر إلى ترتيب لبنان في مؤشر أجيليتي على أنه مرآة مكثفة للأزمة اللبنانية بكل أبعادها. فالتراجع اللوجستي ليس أزمة قطاع منفصل، بل نتيجة مباشرة لاقتصاد فقد جزءاً كبيراً من تماسكه.
ومع كل تراجع في كفاءة البيئة اللوجستية، ترتفع كلفة الأعمال، وتتراجع تنافسية الشركات، وتضعف قدرة البلد على جذب أي فرصة جديدة. لذلك، فإن المؤشر لا يقول فقط إن لبنان متأخر لوجستياً، بل يوجّه رسالة أوضح من ذلك: الاقتصاد اللبناني يعمل اليوم بأقل من طاقته، وبكلفة أعلى مما يحتمل، وفي ظل مستوى متدنٍ جداً من الثقة الضرورية لأي نهوض فعلي.
المصدر: Lebanon24
لا تبدو إسرائيل، في حربها الحالية على لبنان، ذاهبة إلى احتلال شامل لجنوبه على الطريقة…
وجه البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، من كنيسة السيدة في الصرح البطريركي في…
أصيب مواطن جراء غارة إسرائيلية من مسيّرة استهدفت دراجة نارية على طريق عين بعال قضاء…
أقدم مؤخرا عدد كبير من المتاجر التي تقدم خدمات البيع "أونلاين" على إبلاغ زبائنها بارتفاع…
يواجه عدد من اللبنانيين الذن وصلوا إلى الخليج، قبل فترة وجيزة من الحرب أزمة على…
في كواليس المتابعة الميدانية، تتقدّم تساؤلات جدّية حول خلفيات التراجع الملحوظ في وتيرة العمليات التي…