وفي رأي المصادر أن لبنان، في المقابل، يقف أمام تحدٍ مركّب،فالدولة، المثقلة بأزماتها السياسية والمالية، قد تجد نفسها عاجزة عن استيعاب تداعيات موجة نزوح جديدة من الجنوب. فالبنية التحتية المتهالكة، والخدمات العامة المحدودة، لن تكون قادرة على تحمّل ضغط إضافي، ما ينذر بتفاقم الأزمات الاجتماعية والاقتصادية. كما أن هذا السيناريو قد يعيد إنتاج توترات داخلية، في ظل احتكاك محتمل بين النازحين والمجتمعات المضيفة، وهو ما يحذر منه أكثر من مسؤول سياسي وأمني.
وما يمكن ان تُقدم عليه اسرائيل في جزء من الجنوب، لا يمكن فصله عن المشهد الأوسع، حيث تتقاطع ملفات عدة في لحظة واحدة. فإعادة رسم الواقع في الجنوب اللبناني قد تكون جزءاً من مقاربة أشمل تهدف إلى إعادة ترتيب موازين القوى في المنطقة، في ظل ترابط الساحات وتداخلها، فأي خطوة من هذا النوع قد لا تبقى محصورة في نطاقها الجغرافي، بل قد تتدحرج سريعاً نحو مواجهة أوسع، خصوصاً إذا ما تداخلت مع حسابات إقليمية أخرى.
لا شك ان هذه الخطة، إذا ما تم المضي بها، ستكون بمثابة مقامرة استراتيجية اسرائيلية عالية المخاطر. فهي قد تمنح تل أبيب تفوقاً ميدانياً مؤقتاً، لكنها في المقابل تعمّق جذور الصراع، وتدفعه نحو مستويات أكثر تعقيداً. فالتاريخ يثبت أن محاولات فرض وقائع بالقوة غالباً ما تنتج نتائج عكسية، عبر توليد دوافع إضافية للمقاومة، بدل القضاء عليها.
وحيال ذلك يقف الجنوب اللبناني مرة جديدة على مفترق خطير. إما أن يُدفع نحو واقع جديد تُفرض فيه المعادلات بالقوة، بكل ما يحمله ذلك من تداعيات مفتوحة، أو أن تُستعاد مقاربة أكثر توازناً، تدرك أن الأمن لا يُبنى على الفراغ، وأن الجغرافيا، مهما تغيّرت، تبقى محكومة بإرادة من يسكنها.

