يتزامن التصعيد العدواني الاسرائيلي على الجبهة اللبنانية مع حديث إسرائيلي عن تعبئة تصل إلى 450 ألف جندي احتياط استعداداً لتوسيع العمليات البرية، بالتوازي مع غارات مكثفة طالت جنوب لبنان والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت.
وأعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، أن الجيش الاسرائيلي بدأ عملية برية في لبنان. وقال: “لن يعود سكان جنوب الليطاني إلى منازلهم حتى ضمان سلامة سكان شمال إسرائيل”. ورأى أن الأمين العام لـ “حزب الله” نعيم قاسم يختبئ تحت الأرض، ويحوّل مليون شيعي إلى لاجئين في وطنهم”. ولفت كاتس إلى صدور تعليمات للجيش الإسرائيلي بالتحرك وتدمير بنية “الحزب” في قرى الحدود.
وأعلن الجيش الإسرائيلي أمس، أن قوات “الفرقة “91 بدأت “خلال الأيام الأخيرة نشاطًا بريًّا يستهدف مواقع رئيسية في جنوب لبنان بهدف توسيع نطاق منطقة الدفاع الأمامي”. وأفادت الإذاعة الإسرائيلية بأن “الجيش سيطلب من الحكومة المصادقة على رفع عديد قوات الاحتياط إلى 450 ألف جندي في إطار الاستعداد لعملية برية واسعة في لبنان”. ونقلت “يديعوت أحرونوت” عن مصادر قولها إن “قوات لواء غولاني أكملت انتشارها جنوب الليطاني وتتمركز على عمق 7 – 9 كيلومترات داخله”. وتواصل إسرائيل غاراتها على جنوب لبنان وشرقه والضاحية الجنوبية، مع صدور إنذارات متكررة بإخلاء تلك المناطق من السكان.
وكتبت” الاخبار”: تعكس المعطيات الميدانية والسياسية مساراً واضحاً لتوسيع نطاق العدوان البري الإسرائيلي في جنوب لبنان، ضمن مقاربة تقوم على الجمع بين التقدّم العسكري التدريجي والضغط السياسي. ويسعى العدو إلى فرض وقائع جديدة في المنطقة الحدودية، مستفيدا من التفوّق الناري والغطاء الجوي. في مقابل استمرار المواجهة مع مجموعات المقاومة الاسلامية على الارض، واستمرار قصف المستوطنات الشمالية، مع سعي واضح من الطرفين إلى تثبيت معادلات تصرف في المسار السياسي.
تشير مصادر مطلعة إلى أن توغلات العدو بدأت فعلياً منذ اليوم الثاني لاندلاع المواجهات، وبحسب المراسل الميداني الزميل علي شعيب، فقد انطلقت العدو مع بداية العدوان من محور تلة الحمامص باتجاه وادي العصافير، بالتوازي مع تقدّم نحو مناطق الوزاني وسردا والعمرة والبساتين.
وقد سقطت هذه المناطق عملياً خلال الأيام الأولى بعد انسحاب الجيش اللبناني منها، قبل أن تشهد توغّلات متكررة لدبابات «الميركافا» في إطار محاولات تثبيت السيطرة الميدانية. كما اعتمد الاحتلال على نشر الصور التي تجمعها قواته من المناطق التي تدخلها ضمن سياق الحرب النفسية والإعلامية، علماً أن هذه الصور غالباً ما تعكس حصيلة عمليات تراكمية منذ بداية التوغّل، ولا تعبّر بالضرورة عن وقائع لحظية في الميدان.
وفي قراءة لمحاور المواجهة، يمكن تسجيل ما يلي:
– محور عديسة وكفركلا: تُعدّ البلدتان ساقطتين عسكرياً وجغرافياً نتيجة الدمار الواسع الذي لحق بهما منذ عدوان 2024 وخلوّهما من الحركة السكانية أو العسكرية. ووقد وصلت قوات الاحتلال إلى تل النحاس منذ اليوم الثاني للمواجهات، حيث حاولت إنشاء سواتر ترابية قبل أن تتعرض دباباتها لاستهداف بالصواريخ الموجّهة.
– محور مركبا وحولا وميس الجبل: سُجّل تقدم لقوات الاحتلال باتجاه الموقع المُستحدث في بلدة مركبا إضافة إلى موقع انسحب منه الجيش اللبناني، مع توسع التحركات في الأودية الواقعة بين مركبا وحولا. كما دخلت القوات إلى مستشفى ميس الجبل، وسُجّل وجود لها في الأحياء الشرقية القريبة من الحدود.
– محور عيترون ومارون الرأس: شهد حي الخانوق في عيترون اشتباكات منذ الأيام الأولى للمواجهات، فيما تتركز تحركات قوات الاحتلال في مارون الرأس في المناطق الخلفية للبلدة وفي وسطها الذي تعرّض لدمار واسع نتيجة العمليات العسكرية.
محور – العويضة: تمكّنت قوات الاحتلال خلال الأيام الماضية من دخول تلة العويضة والسيطرة على مركز الجيش اللبناني المعروف باسم «الموقع البريطاني»، والذي يتمتع بأهمية استراتيجية لإشرافه على مساحة واسعة من المنطقة المحيطة.
محور – الخيام ومحيطها: بدأ التوغل في بلدة الخيام اعتباراً من اليوم الخامس للمواجهات، من جهة الحيين الجنوبي والشرقي، وتشير التقديرات الميدانية إلى وصولها إلى وسط البلدة. كما رُصدت محاولات تقدم إضافية من جهة إبل السقي باتجاه الحي الشمالي تحت غطاء من الغارات الجوية والقصف المدفعي المستمر.
امافي بلدات «النسق الثاني»، فان مواجهات يومية عنيفة تقع في مثلث عديسة – الطيبة – رب ثلاثين، بالتزامن مع قصف مدفعي وغارات جوية تستهدف خطوط النسق الثاني، بما في ذلك بلدات القنطرة ومجدل سلم وقبريخا وأطراف وادي السلوقي.
ومنذ بدء العدوان، اعتمدت قوات الاحتلال أسلوب التقدّم الحذر والمتدرّج، مع دخول المنازل والأحياء التي أُخليت وتفجيرها لاحقاً، مع تجنّب البقاء في المواقع المكشوفة لفترات طويلة تفادياً للاستهداف بالصليات الصاروخية التي تطاول تجمعاتها ومواقعها المستحدثة.
في المقابل، قال مصدر عسكري في حزب الله إن العملية العسكرية الإسرائيلية في الخيام تمهّد لتوغل بري باتجاه الليطاني. وأكّد أن «المقاومة أعدّت العدة للمواجهة وتنتظر قوات العدو بعزيمة وصبر»، موضحاً أن قصف المستوطنات والقواعد الحدودية يستهدف القوات التي تستعد للتوغل في لبنان. وأضاف أن العدو يستخدم الجولان المحتل ومستوطنات «إصبع الجليل» كعمق لوجستي لقواته المتوغّلة، مشدّداً على أن «منظومة القيادة والسيطرة لدى المقاومة تعمل بكفاءة عالية في إدارة المواجهة العسكرية».
وكتبت” الديار”؛ تبدو استراتيجية المقاومة واضحة. ووفق مصادر مطلعة على الواقع الميداني، لا مفاجآت اسرائيلية حتى الآن، وما كانت تفترضه غرفة العمليات العسكرية من تحركات لجنود العدو يحصل على الارض، ويتم التعامل معه وفق الخطط التي تم وضعها قيد التنفيذ، بعد قراءة مستفيضة للواقع الميداني المعقد، الذي تلا وقف اطلاق النار قبل نحو عام ونصف، شهد على اخلاء طوعي لمقاتلي المقاومة من منطقة جنوب الليطاني.
وفي هذا السياق، تشير تلك المصادر الى ان النسق الاول من الخطة قد تم تنفيذه بنجاح، لجهة الانتشار مجددا في المنطقة بعد ساعات على اعادة الجيش اللبناني انتشاره في المنطقة الحدودية. وقد تم ادخال المجموعات المقاتلة على نحو غير مركزي، وباعداد مدروسة تتناسب مع الوقاع الميداني.
كما تم ادخال الدعم اللوجستي المطلوب للقيام بالمهام الموكلة لوحدات النخبة من «الرضوان»، لخوض قتال من مسافات قريبة، والاهم تأمين القيادة والسيطرة لادارة المواجهات، مع ما يتطلبه الامر من اسناد من وحدات الصواريخ والمدفعية.
ووفقا لتلك المصادر، لا تقوم استراتيجية المقاومة على مبدأ التمسك بالارض في مواجهة اي غزو كبير، وانما العمل على مشاغلة القوات المتقدمة، والتقليل من حدة اندفاعتها، بهدف تكبيدها اكبر عدد ممكن من الخسائر، مع التركيز على ضرب قوات الدعم اللوجستي في المستوطنات الاسرائيلية.
وهذا الامر نجح حتى الآن بفعل عامل المفاجآة الذي تسببت به المقاومة لجيش الاحتلال، الذي كان يظن ان المنطقة الحدودية خالية من المقاتلين، واكتشف متأخرا ان التجهيز للمعركة كان يحصل تحت «انفه»، ودون ان يشعر بذلك.
في قراءة للتطورات العسكرية، قال العميد المتقاعد سعيد قزح لـ«الشرق الأوسط» إن الحديث «عن استدعاء نحو 450 ألف جندي إسرائيلي يشير إلى التحضير لعملية عسكرية واسعة في لبنان تتجاوز العمليات المحدودة على الخط الحدودي».
وأوضح قزح أن السيناريو الأدنى الذي يمكن تصوّره «يتمثل في تنفيذ عملية برية تهدف إلى إقامة منطقة عازلة داخل الأراضي اللبنانية يتراوح عمقها بين خمسة وعشرة كيلومترات»، مشيراً إلى أن هذا الاحتمال يتقاطع مع المعطيات الميدانية التي تتحدث عن تحركات إسرائيلية في عدد من النقاط الحدودية.
وأضاف أن «المعلومات المتداولة تتحدث عن احتمال توسيع نطاق هذه المنطقة العازلة، وصولاً إلى نهر الزهراني، وهو ما يعني تقدماً قد يصل إلى نحو 40 كيلومتراً داخل الأراضي اللبنانية». وقال: «إذا كان الهدف فعلاً الوصول إلى منطقة الزهراني، فإن الحديث عن تعبئة عسكرية كبيرة قد يصبح أكثر واقعية».