سلامة
افتتح اللقاء بالنشيدين الوطنيين اللبناني والفرنسي، ثم ألقت مديرة مكتب العلاقات مع الشركات في الجامعة الدكتورة مادونا سلامة أيانيان كلمة افتتاحية أكدت فيها “أن هذا الحدث يعكس التزام الجامعة بتعزيز التعاون الأكاديمي والثقافي وبناء شراكات ذات أثر مستدام. وأشارت إلى أن مستقبل المجتمعات لا يُنتظر بل يُصنع من خلال الحوار والتعاون وتبادل الخبرات، مستشهدة بمقولة الكاتب الفرنسي Antoine de Saint-Exupéry حول جعل المستقبل ممكنًا”.
واعتبرت “أن النقاشات التي يتضمنها الحدث حول القيادة والذكاء الاصطناعي والابتكار وريادة الأعمال والهوية الثقافية تفتح آفاقًا جديدة للتعاون بين لبنان وفرنسا.
الأب مكرزل
ثم ألقى رئيس جامعة الروح القدس – الكسليك الأب جوزف مكرزل كلمة ترحيبية، شدد فيها على عمق العلاقات اللبنانية – الفرنسية، معتبرًا أنها “تتجاوز الأبعاد الديبلوماسية والسياسية التقليدية لتستند إلى تاريخ طويل من الاعتراف المتبادل والتفاعل الثقافي والحضاري”. وأكد “أن حضور فرنسا في جامعة الروح القدس – الكسليك لا يقتصر على البعد الرمزي، بل يترجم من خلال التزامات أكاديمية متينة وشراكات فاعلة وتعاونات استراتيجية تتيح للطلاب والباحثين فرصًا حقيقية للتطوير والانفتاح على آفاق جديدة”.
وأشار إلى “أن انضمام الجامعة إلى الوكالة الجامعية للفرنكوفونية (AUF)، وعلاقاتها الوثيقة مع عدد من الجامعات والمؤسسات الفرنسية، إضافة إلى التعاون القائم مع نقابة المحامين في باريس ونقابة المحامين في كاين – نورماندي، ومشاركتها في مشاريع «إيراسموس+» و«MIC» وغيرها، تشكل جميعها نماذج ملموسة لشراكة أكاديمية مثمرة بين لبنان وفرنسا.
كما نوّه بالعلاقة المميزة التي نسجتها الجامعة مع صحيفة «لو فيغارو»، ولا سيما مع مديرها التحريري السيد إيف تريار، معتبرًا “أن هذه الشراكة تعكس الدور الذي يمكن أن تضطلع به الجامعة كمنصة للحوار والفكر العام”.
وفي ظل التحديات التي يواجهها لبنان، أكد الأب مكرزل “أن الجامعات اللبنانية تتحمل اليوم مسؤولية كبرى تتمثل في حماية الأجيال الشابة من الإحباط واليأس، وتأمين التعليم والأمل بمستقبل أفضل”.
ووجه نداءً إلى فرنسا داعيًا إياها إلى “مواصلة دعم لبنان وألا تدعه يتحول إلى مجرد ذكرى أو حالة من الحنين إلى الماضي، بل كشريك قادر على التجدد والحفاظ على نموذج التعددية الذي يميّزه في المنطقة. ودعا السفير الفرنسي إلى تعزيز التعاون الأكاديمي والثقافي بين الجانبين، وجعل جامعة الروح القدس – الكسليك مختبرًا حيًّا للعلاقات اللبنانية – الفرنسية، من خلال توسيع برامج التبادل الطلابي والأكاديمي، وتطوير المشاريع المشتركة في مجالات التراث والابتكار والذكاء الاصطناعي والفرنكوفونية والسياسات العامة ومستقبل المتوسط”.
السفير الفرنسي
وأعرب السفير الفرنسي هيرفيه ماغرو عن سعادته بالمشاركة في “يوم فرنسا”، الذي يجسد متانة العلاقات التي تجمع الجامعة بفرنسا، مؤكدًا “أن هذه الشراكات تساهم في تعزيز فرص الوصول إلى سوق العمل الفرنكوفوني في لبنان، وهو أحد الأهداف الأساسية للتعاون الجامعي”.
وأشار إلى أن جامعة الروح القدس تُعد من أبرز شركاء فرنسا في القطاع الأكاديمي اللبناني، إذ ترتبط بستة برامج شهادات مزدوجة واتفاقيات تعاون أكاديمي في مجالات الإدارة والهندسة والقانون، إضافة إلى علاقات مع أكثر من ستين مؤسسة فرنسية عامة وخاصة موزعة على مختلف المناطق الفرنسية.
ولفت إلى أن السفارة الفرنسية تدعم هذه الروابط من خلال برامج منح متعددة، أبرزها “فرصة” لطلاب الماجستير، و”سفر” للدكتوراه المشتركة، و”سيدر” للأبحاث العلمية المشتركة، مشيداً بالحضور المتزايد لطلاب الجامعة في هذه البرامج، الأمر الذي يعكس مستوى التميز الأكاديمي الذي تتمتع به الجامعة وجاذبية فرنسا بالنسبة لطلابها.
كما نوّه بالدعم الذي تقدمه فرنسا للجامعات المسيحية الفرنكوفونية في لبنان، ومن بينها جامعة الروح القدس، من خلال شراكة بين وزارة الخارجية الفرنسية وجمعية “العمل المشرقي” (Oeuvre d’Orient)، بهدف مساعدة الطلاب المتفوقين المتضررين من الأزمة الاقتصادية.
وأوضح أن أكثر من 300 طالب استفادوا من هذا البرنامج منذ عام 2020. وأشار إلى أن الشركات الفرنسية العاملة في لبنان توظف أكثر من سبعة آلاف شخص، وواصلت عمليات التوظيف رغم الأزمات المتعاقبة، مستفيدة من جودة التعليم اللبناني ومن القدرات اللغوية المتعددة التي يتمتع بها الشباب اللبناني.
وأضاف: أن نحو ثلث العاملين في هذه الشركات يؤدون أيضًا مهامًا مرتبطة بأسواق خارج لبنان، ما يعكس الكفاءة العالية للكوادر اللبنانية.
وفي ما يتعلق بالذكاء الاصطناعي، وصف السفير ماغرو هذا القطاع بأنه أولوية استراتيجية وسياسية بالنسبة لفرنسا، مشيرًا إلى “نجاح السياسات الفرنسية في دعم شركات رائدة مثل “ميسترال”، إلى جانب بناء منظومة متكاملة تضم مؤسسات اقتصادية وأكاديمية متخصصة. وسياسيًا يشكل الذكاء الاصطناعي تحدياً للسيادة الوطنية، ما يستدعي الحد من التبعية الخارجية، وإدارة استهلاك الموارد الحيوية كالمياه والكهرباء، وتأمين الاستثمارات اللازمة لتطوير هذا القطاع.
كما تحدث عن العلاقة الخاصة التي تجمع فرنسا بلبنان، مشيرًا إلى “أن هذا الشعور يشاركه جميع الفرنسيين المقيمين في البلاد”. وشكر جامعة الروح القدس على استضافتها معرضًا فنيًا لأعمال زوجته المستوحاة من لبنان ودول المنطقة، معتبرًا “أن هذه الأعمال تعكس ارتباطًا إنسانيًا وثقافيًا عميقًا بالبلد”.
وختم السفير ماغرو كلمته بالإشادة بإدارة الجامعة وهيئتها التعليمية، مثنيًا على قدرتها على مواجهة التحديات الصعبة التي شهدها لبنان خلال السنوات الماضية مع الحفاظ على مستوى أكاديمي رفيع. كما وجه تحية إلى الطلاب وعائلاتهم، معتبرًا “أن استمرار لبنان في تخريج نخبة من الكفاءات رغم الظروف الاستثنائية هو ثمرة عمل يومي دؤوب في خدمة الوطن”.
طاولة مستديرة
ثم انعقدت الطاولة المستديرة الاستراتيجية تناولت موضوع “فرنسا ومستقبل الابتكار: القيادة، الذكاء الاصطناعي والهوية الثقافية”، وشارك في النقاش رئيس غرفة التجارة والصناعة الفرنسية – اللبنانية والمدير العام لمدرسة الأعمال العليا (ESA)السيد ماكسانس دويو، والمدير العام لشركة Publicis Communications – Levant يوسف نعمان، ورئيس لجنة مستشاري التجارة الخارجية الفرنسية في لبنان (CCEF) والمدير العام والشريك في مجموعة دبّانة – صيقلي هادي ناصيف، والمديرة العامة لشركة Dictalive ميريام ظريفة.
وتناول المتحدثون التحديات والفرص التي يطرحها التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، ودور القيادة في مواكبة المتغيرات العالمية، إضافة إلى أهمية الحفاظ على الهوية الثقافية في ظل التطورات التكنولوجية المتسارعة.
كما شهدت الجلسة نقاشًا تفاعليًا مع الحضور حول آفاق التعاون بين لبنان وفرنسا في مجالات الابتكار وريادة الأعمال والتعليم.
جولة ثقافية وافتتاح معرض
اختُتم النشاط بجولة ثقافية شملت زيارة متحف جامعة الروح القدس – الكسليك، تلاها افتتاح معرض لزوجة السفير الفرنسي السيدة ماريا ماغرو بعنوان: “بين ضفتين… رحلة في الذاكرة”، الذي قدّم تجربة فنية مميّزة جسّدت التلاقي بين الإبداع والفنون والتعبير الثقافي.
كما قدّمت مديرة متحف الجامعة الدكتورة ألسي الديك شرحًا للحضور حول المعرض ومضامينه الفنية والثقافية.
وتجدر الإشارة إلى أن الفنانة المتخصصة في الرسم بالألوان المائية ماريا ماغرو تنقّلت بين أنقرة وبيروت والقدس وإسطنبول، حيث وثّقت عبر لوحاتها المائية الأماكن التي أقامت فيها خلال المسيرة الدبلوماسية لزوجها السفير هيرفيه ماغرو، محوّلة العمارة والفضاءات إلى ذاكرة بصرية. كما طوّرت أسلوبها الفني من خلال الورش والأبحاث الشخصية، وامتدّ حسّها الجمالي إلى تصميم القوائم والمواد الفنية في المناسبات الرسمية.

