التقرير الذي ترجمهُ “لبنان24” يقول إن أهمية لبنان بالنسبة لإيران تتجاوز مستقبل حزب الله ومكانته في “حلقة النار” المحيطة بإسرائيل، فهذا ليس مجرد اختبار لولاء إيران لوكلائها، والذي قد تؤثر نتائجه أيضاً على مستقبل الجماعات الشيعية في العراق ونفوذ طهران هناك، بل هو اختبار لمدى صمود إيران في وجه الولايات المتحدة وإسرائيل، وهو ما سيُقاس في المراحل القادمة من المفاوضات مع واشنطن.
وأكمل: “لكن إسرائيل، بدعم من الرئيس الأميركي دونالد ترامب ، تصوّر لبنان كجبهة مستقلة وكأنها لا علاقة لها بإيران، وتزعم القدس أنها تخوض حرباً مع حزب الله لضمان أمن سكان شمال إسرائيل”.
وأضاف: “المفارقة تكمن في أنه منذ تأسيس حزب الله عام 1982، ادعى الإسرائيليون، عن حق، أنه منظمة إيرانية، وجزء لا يتجزأ من نظام طهران، وباعتباره الحلقة الأقوى في حلقة النار، فإنه يشكل تهديداً وجودياً لإسرائيل. ومن هذا المنطلق، استنتجت القدس أن انهيار النظام وحده كفيل بإسقاط شبكة إيران بالوكالة وإنهاء تهديد حزب الله”.
وتابع: “خلافاً لتوقعات إسرائيل المتفائلة، لم يسقط النظام الإيراني، فهو مستقر ويؤدي مهامه، وأصبح، في نظر ترامب، شريكاً شرعياً للحوار. ولذلك، اقتنع الرئيس بإدراج مطلب قطع علاقات إيران مع وكلائها ضمن مقترحه المكون من 15 بنداً”.
وأكمل: “بمعنى آخر، إذا لم تكن هناك طريقة أو إرادة لإسقاط النظام، فينبغي أن يكون الهدف هو تقليص نفوذه، الذي يهدد كل دول المنطقة والممرات الملاحية في الخليج العربي والبحر الأحمر. قد يُسفر استمرار الحرب في لبنان عن بعض المكاسب التكتيكية الإضافية، مثل اغتيال أمين عام حزب الله نعيم قاسم أو تدمير مستودع ذخيرة أو منصة إطلاق صواريخ أخرى، لكن من الناحية الاستراتيجية، اتخذت إيران من لبنان جبهتها الرئيسية، الأمر الذي يُهدد الآن خطة عمل ترامب”.
وقال: “نظرياً، وضعت إيران ترامب في مأزق يوم الخميس، وكان بإمكانه إما الاستمرار في دعم حرب إسرائيل على حزب الله والمخاطرة بانهيار المفاوضات مع إيران قبل أن تبدأ، أو اختيار الثمن الباهظ الذي يأمل في الحصول عليه من خلال الحوار مع النظام نفسه الذي سعى إلى إسقاطه. ويمكن القول إن هذا المأزق النظري قد تبدد سريعاً، كما كان متوقعاً. فعلياً، لم يدم موقف ترامب القائل بأن لبنان جبهة مختلفة وأن وقف إطلاق النار لا ينطبق عليها سوى 24 ساعة، وهذا يُعدّ صموداً معقولاً لرئيس يُغيّر رأيه كل 15 دقيقة”.
وأضاف: “لم يكن القرار هذه المرة صعباً للغاية، فهو يُظهر مدى خطورة الوضع بالنسبة لإسرائيل في إدارة علاقاتها مع الاميركيين. لقد طلب ترامب من نتنياهو تقليص الضربات في لبنان، ثم أمر نتنياهو لاحقاً بفتح محادثات مباشرة مع بيروت لمناقشة نزع سلاح حزب الله وإمكانية التوصل إلى اتفاق سلام”.
وأردف: “لا جدوى من تحليل الخطاب الفارغ والغاضب لرئيس الوزراء ووزير دفاعه، اللذين تعهدا بتدمير حماس في حرب شاملة والقضاء نهائياً على التهديد الذي يواجه الشمال. ولكن ليس من المبالغة اتهام الحكومة بفشل دبلوماسي ذريع، وعجزها عن فهم تحركات ترامب وإيران الدبلوماسية، وإضاعتها فرصة اقتراح بيروت إجراء محادثات مباشرة قبل الحرب”.
وتابع: “إسرائيل، التي لم ترَ سوى ضعف الجيش اللبناني وعجزه عن نزع سلاح حزب الله، قررت القيام بالمهمة بنفسها. لكن الجيش الإسرائيلي حذّر من أن نزع سلاح حزب الله مهمة غير واقعية، وأن الحل الدبلوماسي كفيل على الأرجح بتخفيف حدة التهديد. مع هذا، كانت الحكومة اللبنانية حريصة على التوصل إلى حل دبلوماسي، ولم تنتظر المفاوضات مع إسرائيل لتقترح نزع سلاح حزب الله مقابل اتفاق، بل بدأت هذا المسار مطلع العام الماضي حين أعلنت أن كل الأسلحة في البلاد يجب أن تكون تحت سيطرة الدولة الحصرية. في الواقع، هذا الإعلان المبدئي، الذي حظي بتأييد سياسي وشعبي واسع، أنكر بشجاعة شرعية جيش حزب الله”.
وأكمل: “في الصيف الماضي، أمرت الحكومة بنشر الجيش اللبناني في الجنوب، ونزع سلاح حزب الله، ومصادرة مخازن أسلحته وقواعده. ومؤخراً، أمرت الجيش بمنع أي شخص يخالف هذا الأمر أو يحوز أسلحة غير مرخصة. في المقابل، كانت النتائج أقل من المتوقع، إذ حافظ حزب الله على وجوده في الجنوب ، وكما ذكر يانيف كوبوفيتش من صحيفة هآرتس، عاد إلى عملياته العسكرية شبه الكاملة، مع هيكل قيادي منظم. ورغم تراجع قدراته العسكرية، فقد نجح في شن حرب استنزاف فعالة ضد الجيش الإسرائيلي، وضد المستوطنات الإسرائيلية في الشمال”.
وأضاف: “لقد تمثلت الاستجابة الإسرائيلية، على غرار غزة، في إنشاء منطقة أمنية تمتد من 8 إلى 10 كيلومترات (6 أميال) داخل لبنان، وعاملت إسرائيل الحكومة اللبنانية كما تعاملت مع السلطة الفلسطينية، واعتبرت الجهود الدولية الرامية إلى حل دبلوماسي عائقاً أمام عملياتها العسكرية”.
وأكمل: “صحيح أن اتفاقاً مع بيروت، كان من الممكن مناقشته وربما توقيعه بالفعل، لن يُجرّد حزب الله من سلاحه في يوم واحد، وربما لن يُجرّده منه تماماً، لكنه قد يُعزز التعاون الأمني بين إسرائيل ولبنان. فعلياً، فقد يشمل ذلك تبادل المعلومات الاستخباراتية ضد حزب الله وإيران، وتحديث وتطوير جيش لبناني فعال بدعم أميركي وأوروبي، وإنشاء مرافق مراقبة مشتركة على الحدود، وربما أيضاً عمليات عسكرية مشتركة، كما فعلت إسرائيل مع مصر ضد الجماعات في سيناء، أو على غرار النموذج الإسرائيلي الأردني”.
وأضاف: “عندما تتحول الحرب بين الولايات المتحدة وإيران من القتال إلى الدبلوماسية، تتغير الأولويات وتبدأ لعبة المحصلة الصفرية من جديد، ويُنظر إلى كل مكسب دبلوماسي إيراني على أنه خسارة للولايات المتحدة وإسرائيل”.
وتابع: “لقد أدركت طهران الفرصة التي وفرتها الحرب في لبنان، وسارعت إلى استغلال المحادثات مع الولايات المتحدة لتضع نفسها في موقف التفاوض نيابة عن لبنان ضدّ استمرار الحرب”.
وقبل أيام قليلة، قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إن “بلاده لن تتخلى أبداً عن اللبنانيين”. هنا، تقول “هآرتس” إنه “بزشكيان لم يكن يتحدث فقط عن حزب الله أو الشيعة اللبنانيين، فإيران تُشبّه لبنان بمضيق هرمز”، وأضافت: “إذا كانت إيران قد منحت وكلاءها تقليدياً حرية اتخاذ القرارات السياسية، فإنها تسعى الآن إلى أن تصبح راعياً مباشراً لإنقاذ لبنان من إسرائيل”.

