Categories: أخبار

“حزب الله” في سوريا: بين الوساطات والاتهامات

كتب اسكندر خشاشو في” النهار”: ليس إنكار “حزب الله” لأي دور له داخل سوريا تفصيلاً إعلامياً عابراً، بل هو جزء من سلوك سياسي محسوب بدقة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية. فالمشهد الذي يتكشّف تدريجياً منذ وصول أحمد الشرع إلى السلطة يظهر انتقال العلاقة من تحالف عضوي إلى حالة اشتباك مفتوح، تترجمها اتهامات متكررة من دمشق بتفكيك خلايا مرتبطة بالحزب، مقابل نفي قاطع ومتكرر من جانبه. هذا التناقض لا يُقرأ فقط كخلاف على الوقائع، بل كصراع على تعريف الدور والموقع في سوريا الجديدة.

في العمق، يدرك “حزب الله” أن الاعتراف بأي حضور أمني أو عسكري داخل سوريا اليوم يساوي عملياً الإقرار بتجاوز سيادة السلطة الجديدة، في لحظة تسعى فيها دمشق إلى تثبيت شرعيتها داخلياً وخارجياً عبر خطاب سيادي صارم. فالحزب الذي كان يوماً شريكاً أساسياً و ميدانياً في حماية النظام السابق، بات أمام سلطة تعتبر هذا الإرث جزءاً من مشكلة يجب احتواؤها لا استعادتها. من هنا يصبح النفي ضرورة سياسية، لا مجرد موقف دفاعي.

في موازاة ذلك، يرتبط هذا الإنكار بمحاولة واضحة لتفادي الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع دمشق. فالمعطيات تشير إلى أن الحزب، رغم كل التوتر، حاول فتح قنوات تواصل غير مباشرة عبر وسطاء إقليميين، خصوصاً تركيا، بهدف ضبط العلاقة ومنع انهيارها الكامل.

الاعتراف بالنشاط داخل سوريا في هذا التوقيت من شأنه أن يقوّض أي مسار تهدئة، ويحوّل الاشتباك البارد إلى صدام مفتوح، وهو ما لا يريده الحزب في ظل انشغاله بجبهات وضغوط أخرى.
لكن البعد الأهم يبقى استراتيجياً. فـ”حزب الله” يعلم أن سوريا لم تعد تلك الساحة المفتوحة التي شكّلت لسنوات ممراً حيوياً له. السلطة الجديدة تعيد رسم قواعد اللعبة، وتعمل على تقليص أي نفوذ عابر للحدود، وخصوصاً ذاك المرتبط بمحور إيران. في هذا السياق، يصبح الإنكار محاولة للحفاظ على ما تبقّى من هامش حركة، ولو كان محدوداً، من دون استفزاز مباشر للسلطة أو دفعها إلى إجراءات أكثر تشدداً.
ولا يقلّ العامل الإقليمي تأثيراً. فدمشق الجديدة تسعى إلى الانفتاح على محيطها العربي والدولي، وتدرك أن أي تساهل مع نشاطات الحزب سيفسَّر كاستمرار في السياسات السابقة. في المقابل، يدرك الحزب أن تثبيت هذه الصورة سيضعه في مواجهة ليس فقط مع سوريا، بل مع مسار إقليمي أوسع يعيد ترتيب التوازنات. لذلك، يشكّل النفي أيضاً محاولة لتخفيف الضغوط السياسية، وتجنّب تكريس سردية أنه يعمل خارج الدولة السورية.
 هكذا، لا يبدو إنكار “حزب الله” مجرد ردّ على اتهامات أمنية، بل خياراً سياسياً مركّباً يجمع بين تفادي المواجهة، والحفاظ على ما أمكن من وجود، والتكيّف مع واقع سوري جديد لم يعد يتّسع لدوره السابق.
بين ما تقوله دمشق عن خلايا ونشاطات، وما ينفيه الحزب بشكل قاطع، تتكشف حقيقة أعمق: الصراع لم يعد على الوجود فقط، بل على تعريف هذا الوجود وحدوده في المرحلة الجديدة.  

المصدر: Lebanon24

News Desk

Share
Published by
News Desk

Recent Posts

إسرائيل تستغل المراوحة في المفاوضات لتوسيع المنطقة المحتلة (الأنباء الكويتية)

تستغل إسرائيل حالة المراوحة التي تعيشها الساحة اللبنانية لقضم المزيد من القرى والبلدات جنوب الليطاني،…

3 دقائق ago

بعد غارة الضاحية.. القصف الإسرائيلي مستمر على الجنوب

بعد غارة عنيفة على الضاحية الجنوبية لبيروت استهدفت قائد فرقة الرضوان في حزب الله، استمر…

5 دقائق ago

“الأنباء الكويتية”: الصراع في لبنان داخلي على مرحلة ما بعد الحرب… وعون متمسك بحصرية التفاوض والسلاح بيد الدولة

أوضح مرجع سياسي بارز أن "حقيقة الصراع حاليا في لبنان داخلي ويتعلق بمن يحكم البلد…

10 دقائق ago

بمسيّرة لـ”الحزب”.. 4 إصابات إسرائيلية جنوب لبنان

أعلن الجيش الإسرائيلي، إصابة 4 جنود في جنوب لبنان.   وكشف الجيش الاسرائيلي عن ان…

17 دقيقة ago

اتفاق وشيك؟ ترامب يراهن على تفاهم مع إيران وهذا ما قيل عن لبنان

قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الأربعاء، إن التوصل إلى اتفاق مع إيران لإنهاء الحرب في…

52 دقيقة ago

إستكمال محاكمة فضل شاكر في 26 أيار.. وإطلاقه رهن البت بـ”قضايا أمنية”

كتبت" الشرق الاوسط": أعلنت محكمة الجنايات في بيروت، براءة الفنان اللبناني فضل شاكر، في دعوى…

ساعة واحدة ago