26 مارس 2026, الخميس

خطاب قاسم يفكّك المرحلة: لبنان داخل معادلة الصراع المفتوح

Doc P 1503284 639101156162613351
في لحظة يتكثّف فيها الاشتباك الإقليمي وتتقدّم فيها محاولات فرض وقائع جديدة على حساب الدول المستهدفة، يجد لبنان نفسه مجدداً أمام اختبار وجودي يتجاوز الأزمات التي عرفها سابقاً ويطال جوهر هويته السياسية وحدود قدرته على صون قراره، إذ لم يعد النقاش محصوراً في كيفية الخروج من أزمة قائمة بل في تحديد موقع لبنان نفسه داخل صراع يتجاوز حدوده، ويعيد طرح السؤال القديم بصيغة أكثر حدّة؛ هل يُراد له أن يبقى ساحة مستباحة للقرار الخارجي أم دولة تملك قرارها، الامر الذي يتقاطع مباشرة مع القراءة التي قدّمها الأمين العام لـ”حزب الله” الشيخ نعيم قاسم في خطابه الأخير حين وضع التطورات الجارية في لبنان ضمن سياقِ مشروعٍ أوسع يستهدفه كجزء من إعادة تشكيل المنطقة.

ضمن هذا الواقع، أراد قاسم من خلال خطابه، أن يُبرز “حزب الله” كلاعب مركزي لا يمكن تجاوزه في أي مقاربة جدية، ليس بحكم قدرته العسكرية فحسب، بل انطلاقاً من تقديم نفسه كجزء من معادلة حماية لبنان في مواجهة مشروع إقليمي أوسع. ومن هنا، ترى مصادر دبلوماسية مطلعة أن الخطاب لم يتعامل مع الاحداث الجارية كحرب محدودة بل قدّمها كمسار تصاعدي مفتوح بأهداف واضحة، معتبراً أن ما يجري في الجنوب ليس حدثاً منفصلاً بل امتداداً لمشروع يستهدف موقع لبنان ودوره، وهو توصيف لا يكتفي بعرض الوقائع بل يعيد تحديد طبيعتها، بحيث يُسقط أي مقاربة تحصر المواجهة في بعدها العسكري المباشر، ويفرض فهمها كجزء من صراع أوسع على مستقبل البلد.

وفي هذا السياق، ترى المصادر أن خطاب قاسم تعمّد تظهير دور “الحزب” ضمن نقاش أوسع يتصل بمفهوم السيادة وليس كقضية محصورة بالسلاح بحد ذاته، بل بما يمثّله من قدرة على منع فرض الإرادة الخارجية. ومن هنا جاء الربط الواضح بين إثارة مسألة السلاح وسياق الضغوط القائمة، إذ يُقدَّم طرحه في ظل استمرار العدوان على أنه جزء من مسار يستهدف إضعاف عناصر القوة في لبنان، وهو ما يعكس، وفق هذا الطرح، محاولة لنقل النقاش من عنوانه الظاهر إلى خلفيته السياسية المرتبطة بالصراع.

في المقابل، تقف الدولة اللبنانية أمام معادلة معقّدة، إذ تواجه ضغوطاً خارجية تدفع نحو إعادة صياغة الداخل، في وقت لا يسمح فيه الواقع الداخلي بتفكيك عناصر القوة القائمة من دون تعريض البلاد لمخاطر أكبر. ويظهر هذا التناقض أيضاً في الخطاب بشكل غير مباشر من خلال التحذير من أن بعض القرارات التي تتخذها الدولة تحت عناوين داخلية قد تنتهي بخدمة أهداف تتقاطع مع المشروع المعادي، ما يعكس قلقاً واضحاً من طريقة إدارة هذه المرحلة الحساسة.

وفي امتداد لهذا الطرح، يبرز سؤال الخيارات بوصفه نتيجة مباشرة لهذه المقاربة، إذ لم يعد ممكناً، وفق المصادر، الحديث عن مساحات رمادية أو حلول وسط، لأن طبيعة الصراع، كما يقدّمها الخطاب، تفرض ثنائية حادّة بين الاستسلام والمواجهة، وهو ما ينعكس في رفض فكرة الحياد والتأكيد على أن الوقوف في المنتصف في هذه المرحلة لا يشكّل خياراً فعلياً، بل مساراً يقود إلى الخسارة، ما يفرض تحديد الاتجاه بوضوح.

أمام هذا المشهد، تبدو الدعوات إلى الوحدة الوطنية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، لكنها في الوقت نفسه أكثر تعقيداً، لأن الوحدة هنا لا تعني فقط توافقاً سياسياً، بل اتفاقاً على تعريف الخطر وتحديد الأولويات. وهذا ما حاول الخطاب تثبيته، حين لم يطرح الوحدة كشعار، بل كخيار عملي يبدأ من وقف العدوان ويتجسّد في السياسات والقرارات، مع التشديد على أن أي انقسام داخلي قد يتحول إلى المدخل الأخطر الذي من شأنه أن يُستثمر خارجياً.

في المحصلة، يقف لبنان اليوم أمام لحظة يُعاد فيها تحديد موقعه، إذ لم يعد ممكناً تأجيل الحسم أو الاتكاء على تسويات مؤقتة. وبين ضغط يسعى إلى إعادة تشكيله وفق شروط الخارج وقوة داخلية تدفع نحو المواجهة، يتحدّد المسار، وما يثبّته خطاب الشيخ نعيم قاسم هو أن هذه المرحلة تُحسم بالخيارات وليس بالمناورات، لأن القدرة على الاختيار هنا ليست تفصيلاً سياسياً، بل شرطاً ثابتاً للبقاء، ومن يخسرها لا يفقد قراره فقط، بل موقعه أيضاً.

المصدر: Lebanon24