لم تعد بيروت، بكلّ ما يتجاوز الضاحية الجنوبية منها، “على هامش” الحروب الإسرائيلية، وهي التي اعتادت أن تكون “ملاذًا آمنًا” للهاربين من “جحيم” الضاحية والجنوب بعيدًا عن دويّ الانفجارات. فالمشهد الميداني الذي انزلق إلى مستويات غير مسبوقة من العنف في الايام الماضية، يشي بأنّ العاصمة دخلت فعليًا في دائرة الاستهداف المباشر، وأنّ ما كان يُنظر إليه سابقًا على أنّه “خطوط حمراء” بدأ بالسقوط تدريجيًا.
صحيح أنّ إسرائيل لم تُخفِ يومًا أنّ بيروت تقع ضمن بنك أهدافها، لكنّ الجديد اليوم أنّها تتصرّف على قاعدة إسقاط الفاصل النفسيّ والسياسيّ بين الضاحية والعاصمة الأوسع. فالاستهداف لم يعد محصورًا بما تصفه إسرائيل بـ”معاقل حزب الله” التقليدية، أو مقتصرًا على عمليات استهداف أو اغتيال محدّدة مثلًا، بل تحوّل إلى استباحة علنية للنسيج العمراني والمدني في قلب العاصمة، التي باتت إنذارات الإخلاء تشملها بكلّ بساطة، كسائر المناطق.
وإذا كان هذا التصعيد قد جاء بعد عملية “العصف المأكول” التي أكّد من خلالها “حزب الله” أنّه لا يزال يملك مخزونًا صاروخيًا قادرًا على بلوغ العمق الإسرائيلي، خلافًا للانطباع الذي ساد منذ نهاية الحرب الأخيرة، فإنّ الثابت أنّ إسرائيل تعاملت مع هذه العملية بوصفها ذريعة للانتقال إلى مرحلة أشدّ قسوة، عنوانها الأساسيّ: كسر هيبة العاصمة، ومحاولة فرض واقع ميداني يضع الدولة والناس أمام خيارات مُرّة.
من صدمة إسرائيل إلى توسيع بنك الأهداف
أوّل ما كشفته الساعات الماضية أنّ إسرائيل فوجئت، على الأرجح، بحجم الردّ الذي نفّذه “حزب الله”، لا من زاوية الخسائر فقط، بل من زاوية الدلالة. فالردّ، في توقيته وطبيعته، حمل رسالة واضحة مفادها أنّ آلة الحرب الإسرائيلية، رغم كلّ تدميرها، لم تنجح في شلّ “القدرة الصاروخية” للمقاومة. كما أكّد الرد أنّ الحزب لا يزال يحتفظ بمخزون قتالي وقدرة على المبادرة، ولو ضمن سقوف محدّدة.
من هنا، لم يكن مستغربًا أن تتعامل تل أبيب مع ردّ الحزب بوصفه “فرصة” لشرعنة توسيع دائرة العقاب. فهي لم تكتفِ بالردّ على الردّ، بل ذهبت إلى ما هو أبعد، عبر توسيع ميدان النار نفسه، والانتقال من استهداف الضاحية، بوصفها الجغرافيا الأكثر التصاقًا بالحزب، إلى توجيه رسائل نارية مباشرة إلى بيروت الإدارية والسياسية، بما فيها من أحياء ومناطق ظلّت، حتى وقت قريب، خارج دائرة الاستهداف المباشر.
وإذا كانت إسرائيل، بتوسيعها بنك الأهداف، تريد القول إنّها باتت تتعامل مع بيروت على أنّها مساحة مباحة للضغط المتدرّج، وإنّ سقف الاستهداف لم يعد يقف عند حدود الضاحية أو محيطها المباشر، فإنّ الاستهدافات المتتالية في قلب بيروت تكاد تختصر وحدها معنى هذا التحوّل. فاستهداف هذه المنطقة التي تُعدّ متنفسًا لبيروت ورمزًا لحيويتها، فضلًا عن كونها ملاذًا للنازحين الذين وجدوا فيها فسحة أقلّ التصاقًا بالجبهة، يحمل رسالة إسرائيلية واضحة: لا مكان آمنًا في العاصمة.
الرملة البيضاء: الرسالة التي تجاوزت الضاحية
ثمّة من يقرأ مجزرة الرملة البيضاء وما بعدها على أنّها “طريقة مألوفة” في التكتيكات الإسرائيلية، إذ لطالما اعتمدت إسرائيل في كلّ حروبها على المجازر بحقّ المدنيين للهروب إلى الأمام، وضرب المقاومة عبر بيئتها الحاضنة وجمهورها. لكنّ الأخطر من كلّ وقائع الميدان يبقى ما تختزنه فكرة “كسر الخطوط الحمراء” سياسيًا وأمنيًا، وقوامها مسعى إسرائيلي لتحويل العاصمة من “ملجأ آمن” إلى “ساحة ضغط” اجتماعي وسياسي مباشر على الدولة اللبنانية.
ولعلّ أحد أبرز أهداف هذا المسار هو ضرب البيئة المدنية الحاضنة للنزوح، أو على الأقلّ زعزعة الرابط النفسيّ والاجتماعيّ الذي نشأ بين العاصمة وبين موجات النازحين الآتين من الجنوب والضاحية والبقاع. فمن خلال إنذارات الإخلاء في مناطق حساسة مثل الباشورة وزقاق البلاط، تبدو تل أبيب وكأنّها تريد خلق حالة من “النفور” لدى الناس، فهي تسعى إلى زرع القلق داخل بيروت نفسها، وإيهام سكانها بأنّ وجود “البيئة النازحة” بات يشكّل عبئًا أمنيًا عليهم.
وإذا كان هذا النوع من الحرب النفسية يهدف إلى دفع الداخل اللبناني نحو مزيد من التوتّر والاحتقان، تحت وطأة الخوف وفقدان الأمان، فإنّ الأكيد أنّ معادلة الرعب هنا تصبح أكثر تعقيدًا. فإسرائيل لا تقول فقط إنّها قادرة على ضرب “حزب الله” أينما كان، بل تقول أيضًا إنّها قادرة على تحويل بيروت كلّها إلى أداة ضغط، وعلى استثمار الانكشاف المدني والاجتماعي للعاصمة في معركة الضغط على الدولة، وربما ابتزازها سياسيًا.
“كسر للعاصمة” أم “ابتزاز للدولة”؟
في المحصّلة، تبدو بيروت أمام مشهد مختلف عمّا عرفته في مراحل سابقة، وهي التي صمدت في وجه اجتياحات سابقة. لكنها تواجه اليوم نمطًا جديدًا من “الحرب التدميرية” التي تستهدف الروح قبل الحجر. والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة في الصالونات السياسية والعسكرية: هل تكتفي إسرائيل بمحاولة “ردع” الحزب بعد ضرباته الأخيرة، أم أنّنا أمام مخطّط استراتيجي لإعادة صياغة “قواعد الاشتباك” في بيروت كلّها، بحيث تصبح العاصمة بيروت كلّها ضمن بنك الأهداف، وبلا أيّ خطوط حمراء فعلية؟
الميدان وحده، وصمود العاصمة، سيعطيان الجواب النهائي، لكنّ الأكيد أنّ بيروت لم تعد فقط تحت التهديد، بل أصبحت جزءًا من مسرح الاستهداف المباشر. وإذا كان الأمر كذلك، فإنّ لبنان يكون قد دخل فعلًا مرحلة جديدة، لا يُقاس فيها التصعيد بعدد الغارات فقط، بل بطبيعة التحوّل الذي أصاب معنى بيروت نفسها في هذه الحرب: من عاصمة تستقبل الناجين من النار، إلى عاصمة باتت النار تلاحقهم إليها.
صحيح أنّ إسرائيل لم تُخفِ يومًا أنّ بيروت تقع ضمن بنك أهدافها، لكنّ الجديد اليوم أنّها تتصرّف على قاعدة إسقاط الفاصل النفسيّ والسياسيّ بين الضاحية والعاصمة الأوسع. فالاستهداف لم يعد محصورًا بما تصفه إسرائيل بـ”معاقل حزب الله” التقليدية، أو مقتصرًا على عمليات استهداف أو اغتيال محدّدة مثلًا، بل تحوّل إلى استباحة علنية للنسيج العمراني والمدني في قلب العاصمة، التي باتت إنذارات الإخلاء تشملها بكلّ بساطة، كسائر المناطق.
وإذا كان هذا التصعيد قد جاء بعد عملية “العصف المأكول” التي أكّد من خلالها “حزب الله” أنّه لا يزال يملك مخزونًا صاروخيًا قادرًا على بلوغ العمق الإسرائيلي، خلافًا للانطباع الذي ساد منذ نهاية الحرب الأخيرة، فإنّ الثابت أنّ إسرائيل تعاملت مع هذه العملية بوصفها ذريعة للانتقال إلى مرحلة أشدّ قسوة، عنوانها الأساسيّ: كسر هيبة العاصمة، ومحاولة فرض واقع ميداني يضع الدولة والناس أمام خيارات مُرّة.
من صدمة إسرائيل إلى توسيع بنك الأهداف
أوّل ما كشفته الساعات الماضية أنّ إسرائيل فوجئت، على الأرجح، بحجم الردّ الذي نفّذه “حزب الله”، لا من زاوية الخسائر فقط، بل من زاوية الدلالة. فالردّ، في توقيته وطبيعته، حمل رسالة واضحة مفادها أنّ آلة الحرب الإسرائيلية، رغم كلّ تدميرها، لم تنجح في شلّ “القدرة الصاروخية” للمقاومة. كما أكّد الرد أنّ الحزب لا يزال يحتفظ بمخزون قتالي وقدرة على المبادرة، ولو ضمن سقوف محدّدة.
من هنا، لم يكن مستغربًا أن تتعامل تل أبيب مع ردّ الحزب بوصفه “فرصة” لشرعنة توسيع دائرة العقاب. فهي لم تكتفِ بالردّ على الردّ، بل ذهبت إلى ما هو أبعد، عبر توسيع ميدان النار نفسه، والانتقال من استهداف الضاحية، بوصفها الجغرافيا الأكثر التصاقًا بالحزب، إلى توجيه رسائل نارية مباشرة إلى بيروت الإدارية والسياسية، بما فيها من أحياء ومناطق ظلّت، حتى وقت قريب، خارج دائرة الاستهداف المباشر.
وإذا كانت إسرائيل، بتوسيعها بنك الأهداف، تريد القول إنّها باتت تتعامل مع بيروت على أنّها مساحة مباحة للضغط المتدرّج، وإنّ سقف الاستهداف لم يعد يقف عند حدود الضاحية أو محيطها المباشر، فإنّ الاستهدافات المتتالية في قلب بيروت تكاد تختصر وحدها معنى هذا التحوّل. فاستهداف هذه المنطقة التي تُعدّ متنفسًا لبيروت ورمزًا لحيويتها، فضلًا عن كونها ملاذًا للنازحين الذين وجدوا فيها فسحة أقلّ التصاقًا بالجبهة، يحمل رسالة إسرائيلية واضحة: لا مكان آمنًا في العاصمة.
الرملة البيضاء: الرسالة التي تجاوزت الضاحية
ثمّة من يقرأ مجزرة الرملة البيضاء وما بعدها على أنّها “طريقة مألوفة” في التكتيكات الإسرائيلية، إذ لطالما اعتمدت إسرائيل في كلّ حروبها على المجازر بحقّ المدنيين للهروب إلى الأمام، وضرب المقاومة عبر بيئتها الحاضنة وجمهورها. لكنّ الأخطر من كلّ وقائع الميدان يبقى ما تختزنه فكرة “كسر الخطوط الحمراء” سياسيًا وأمنيًا، وقوامها مسعى إسرائيلي لتحويل العاصمة من “ملجأ آمن” إلى “ساحة ضغط” اجتماعي وسياسي مباشر على الدولة اللبنانية.
ولعلّ أحد أبرز أهداف هذا المسار هو ضرب البيئة المدنية الحاضنة للنزوح، أو على الأقلّ زعزعة الرابط النفسيّ والاجتماعيّ الذي نشأ بين العاصمة وبين موجات النازحين الآتين من الجنوب والضاحية والبقاع. فمن خلال إنذارات الإخلاء في مناطق حساسة مثل الباشورة وزقاق البلاط، تبدو تل أبيب وكأنّها تريد خلق حالة من “النفور” لدى الناس، فهي تسعى إلى زرع القلق داخل بيروت نفسها، وإيهام سكانها بأنّ وجود “البيئة النازحة” بات يشكّل عبئًا أمنيًا عليهم.
وإذا كان هذا النوع من الحرب النفسية يهدف إلى دفع الداخل اللبناني نحو مزيد من التوتّر والاحتقان، تحت وطأة الخوف وفقدان الأمان، فإنّ الأكيد أنّ معادلة الرعب هنا تصبح أكثر تعقيدًا. فإسرائيل لا تقول فقط إنّها قادرة على ضرب “حزب الله” أينما كان، بل تقول أيضًا إنّها قادرة على تحويل بيروت كلّها إلى أداة ضغط، وعلى استثمار الانكشاف المدني والاجتماعي للعاصمة في معركة الضغط على الدولة، وربما ابتزازها سياسيًا.
“كسر للعاصمة” أم “ابتزاز للدولة”؟
في المحصّلة، تبدو بيروت أمام مشهد مختلف عمّا عرفته في مراحل سابقة، وهي التي صمدت في وجه اجتياحات سابقة. لكنها تواجه اليوم نمطًا جديدًا من “الحرب التدميرية” التي تستهدف الروح قبل الحجر. والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة في الصالونات السياسية والعسكرية: هل تكتفي إسرائيل بمحاولة “ردع” الحزب بعد ضرباته الأخيرة، أم أنّنا أمام مخطّط استراتيجي لإعادة صياغة “قواعد الاشتباك” في بيروت كلّها، بحيث تصبح العاصمة بيروت كلّها ضمن بنك الأهداف، وبلا أيّ خطوط حمراء فعلية؟
الميدان وحده، وصمود العاصمة، سيعطيان الجواب النهائي، لكنّ الأكيد أنّ بيروت لم تعد فقط تحت التهديد، بل أصبحت جزءًا من مسرح الاستهداف المباشر. وإذا كان الأمر كذلك، فإنّ لبنان يكون قد دخل فعلًا مرحلة جديدة، لا يُقاس فيها التصعيد بعدد الغارات فقط، بل بطبيعة التحوّل الذي أصاب معنى بيروت نفسها في هذه الحرب: من عاصمة تستقبل الناجين من النار، إلى عاصمة باتت النار تلاحقهم إليها.

