Categories: أخبار

رسائل قاسم الأربع… اشتباك مع الدولة أم تثبيت لدور مفقود؟

ضمّن الأمين العام لـ “حزب الله” بيانه المكتوب الأخير أربع نقاط يصرّ على إدراجها في كل بيان له علاقة بالوضع الميداني والمسار التفاوضي والشراكة غير المنفصلة مع النظام الإيراني. وهذه النقاط الأربع تندرج في إطار تسجيل الموقف في الدرجة الأولى، ومن ثم إثبات الوجود على الساحتين الداخلية والإقليمية، في محاولة لتعويض ما مُنيت به “المقاومة الإسلامية” من خسائر بشرية ومادية، على حدّ ما تقوله أوساط ديبلوماسية تشارك في محاولات إيجاد حلّ للأزمة الحالية التي يعيشها لبنان نتيجة الحرب الدائرة بين إسرائيل و”حزب الله”.
وهذه النقاط الأربع الواردة في بيان الشيخ قاسم هي بمثابة رسائل إلى الداخل اللبناني، وإلى بيئته الحاضنة في شكل أساسي، وإلى رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، وإلى الخارج، وبالأخصّ إلى الجانب الأميركي المعني مباشرة بالمفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل. أما الرسالة الأخيرة فهي إلى القيادة الإيرانية.
قد لا تتضمن مواقف الشيخ قاسم جديدًا. وهي مواقف سبق أن أدلى بها في أكثر من مناسبة. ولكن جديدها هذه المرّة يكمن بالتوقيت المفصلي، في ظل الحديث المتنامي عن عزم الرئيس عون السفر إلى واشنطن.
فما هي هذه النقاط الأربع الواردة في بيان الشيخ قاسم:
ففي توقيتٍ يتزامن مع الحديث عن مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، ومع ما يُحكى عن تحرّكات ديبلوماسية على مستوى رئاسة الجمهورية، بدا البيان وكأنه محاولة واضحة لإعادة تثبيت موقع “حزب الله” كلاعب أساسي لا يمكن تجاوزه، لا في الميدان ولا على طاولة التفاوض.
الرسالة الأولى التي تضمّنها البيان تمثّلت في التأكيد أن “المقاومة” لم تُهزم، وأنها أفشلت الرهان الإسرائيلي–الأميركي على إنهائها. هذه الرسالة، وإن كانت مكرّرة في الشكل، إلا أن توقيتها يحمل دلالات خاصة، إذ تأتي في ظل خسائر بشرية ومادية كبيرة، ما يجعلها موجّهة بالدرجة الأولى إلى البيئة الحاضنة، بهدف شدّ العصب ورفع المعنويات، وإعادة إنتاج سردية “الصمود” كبديل عن أي نقاش في الكلفة والنتائج.
أما الرسالة الثانية، فتمثّلت في الهجوم المباشر على مسار المفاوضات التي تقودها الدولة اللبنانية، ورفض أي شكل من أشكال التفاوض المباشر مع إسرائيل. وهنا، لا يكتفي الخطاب برفض المسار، بل يذهب أبعد من ذلك إلى حدّ سحب الشرعية عنه، واعتباره “تنازلًا مذلًا”، في موقف يضع السلطة السياسية أمام تحدٍ واضح: إما الاستمرار في هذا الخيار وتحمل تبعاته، أو التراجع تحت ضغط الشارع والواقع الداخلي.
في الرسالة الثالثة، يطرح قاسم ما يمكن اعتباره “سقف الحل”، من خلال الشروط الخمسة التي تبدأ بوقف العدوان ولا تنتهي بإعادة الإعمار. وهذه الشروط، بصيغتها الحالية، تبدو أقرب إلى بيان مطالب أكثر منها إطارًا تفاوضيًا واقعيًا، لكنها في الوقت نفسه تهدف إلى إعادة تعريف المشكلة من أساسها: ليس سلاح “المقاومة” هو القضية، بل “العدوان الإسرائيلي”، ما يعني قلب الأولويات التي تقوم عليها مقاربة الدولة اللبنانية.
أما الرسالة الرابعة، والأكثر وضوحًا، فهي التمسّك بسلاح “المقاومة” ورفض أي نقاش حوله، بالتوازي مع توجيه شكر صريح لإيران، في إشارة لا لبس فيها إلى طبيعة الارتباط القائم، ليس فقط سياسيًا، بل على مستوى القرار الاستراتيجي. وهنا، يكتسب البيان بعدًا إقليميًا، يربط بين ما يجري في لبنان وبين مسارات التفاوض الأوسع في المنطقة، ولا سيما بين واشنطن وطهران.
بهذا المعنى، لا يمكن قراءة بيان قاسم بمعزل عن هذا الاشتباك المركّب، داخليًا مع الدولة وخياراتها، وخارجيًا ضمن توازنات إقليمية أكبر من لبنان نفسه. فهو بيان يعكس في آنٍ واحد محاولة لتعويض خسائر، وتثبيت حضور، وفرض شروط، ومنع أي مسار قد يؤدي إلى تهميش دور الحزب في المرحلة المقبلة.
فلبنان يقف مجددًا أمام معادلة معقدّة، وهي معادلة تختصر جوهر الأزمة الحالية، وهي تتراوح بين دولة تسعى إلى تفاوض، ومقاومة تعلن رفضها المطلق لهذه المفاوضات المباشرة، وبين ميدان مفتوح على كل الاحتمالات من جهة وهدنة هشة من جهة ثانية. وبين هذا وذاك، يبقى السؤال الأهم: هل يُكتب الحل في بيروت، أم في العواصم التي تدير الصراع من بعيد؟

المصدر: Lebanon24

News Desk

Share
Published by
News Desk

Recent Posts

وزير الخلرجية الأميركي يكشف الخطة الإسرائيلية في لبنان: “حزب الله هو الهدف”!

وأوضح روبيو أن كلاً من اللبنانيين والإسرائيليين يسعون إلى تحقيق السلام، لافتًا إلى أن إسرائيل…

6 دقائق ago

الخوري نجيب العميل يروي للـLBCI تفاصيل تسليم عنصر من حزب الله نفسه للجيش الاسرائيلي…ويردّ على حملات التخوين

الخوري نجيب العميل يروي للـLBCI تفاصيل تسليم عنصر من حزب الله نفسه للجيش الاسرائيلي...ويردّ على…

23 دقيقة ago

شهيد وجريح في غارة اسرائيلية على مجدلزون

استهدفت مسيّرة اسرائيلية بلدة مجدلزون في قضاء صور، بحسب ما افادت مندوبة "لبنان 24"، ما…

30 دقيقة ago

بعد مواقفه الاخيرة.. دعم سياسي واسع لعون

تتزايد في الكواليس السياسية مؤشرات الدعم لمواقف رئيس الجمهورية جوزاف عون في ملف التفاوض مع…

39 دقيقة ago

مخزومي: كل الدعم للرئيس عون في هذه اللحظة الوطنية الدقيقة… ولبنان لن يُحكم إلا بمنطق الدولة

كتب النائب فؤاد مخزومي على منصة "إكس": "كل الدعم للرئيس جوزاف عون في هذه اللحظة…

ساعة واحدة ago

توقيف مُروّج مخدّرات في أنطلياس…

صدر عن المديريّة العامّة لقوى الأمن الدّاخلي ـ شعبة العلاقات العامّة البلاغ الآتي: "في إطار…

ساعة واحدة ago