لم تكن طرابلس يوماً بعيدة عن الأزمات، لكنها كانت دائماً بعيدة عن الأولويات. ورغم أن المدينة أنجبت رؤساء حكومات تعاقبوا على إدارة البلاد، إلا أن هذا لم يخرجها من دائرة الإهمال، وظلّت “أمّ الفقير” مهمّشة حتى وقعت الكارثة. فالمدينة “المنسية” لم تدخل فعلياً إلى جدول أعمال الدولة إلا بعد أن انهارت مبانٍ فوق رؤوس ساكنيها، وسقط ضحايا وجرحى، لتتحول الأبنية المتصدّعة من خطرٍ صامت إلى أزمة تستدعي تحركاً عاجلاً.
ومع تجدّد الحرب على لبنان، غاب ملف الأبنية المتصدّعة عن دائرة الضوء الإعلامي، فيما ظلّ خطر الانهيار قائماً فوق رؤوس السكان. فبينما كانت الدولة تحاول أخيراً التعامل مع خطر الأبنية المتصدّعة في المدينة، وَجَدَتْ خطة الحكومة نفسها أمام اختبار جديد مع عودة الحرب، وما تفرضه من ضغوط إضافية على الدولة ومؤسساتها و”تحويلٍ محتملٍ” للأولويات.
وسط هذه المخاوف، تروي إحدى السيدات التي خسرت منزلها بعد انهيار المبنى الذي كانت تقطنه في حيّ المهاجرين المعاناة التي تعيشها، قائلة: “ناطرين الفرج… عم مننام على الأرض. ولكن الحمد لله طلعنا بخير وسلامة”. وبين انتظار المساعدة والخوف من أن تُنسى قضيتها، تضيف: “منخاف ما حدا ينظر إلنا… بس متأمّلين بالله”.
في الموازاة، شكا أحد المواطنين الذي خسر محلّه التجاري بعد انهيار أحد المباني، من ألا أحد ينظر إليهم، قائلا: جرى التعويض لسكان المنازل ولكن لم يتم التعويض لأصحاب المحال التجارية”. وقال: “وما عاد إجا حدا اشتغل”.
وهنا، سؤال يطرح نفسه: هل ما زالت معالجة خطر الأبنية المتصدّعة في طرابلس على جدول الأعمال؟
فبعد الانهيارات الاخيرة المأساوية في طرابلس، أُقرّت خطة حكومية طارئة من سبع نقاط، شملت إخلاء 114 مبنى مهدّداً بالسقوط خلال مهلة لا تتجاوز الشهر، مع تأمين بدل إيواء للعائلات المتضررة لمدة سنة يُدفع فصلياً، إلى جانب تحديد مراكز إيواء موقتة للسكان. فهل ما زال تنفيذ هذه الخطة مستمراً، أم أن الحرب ستعيد هذا الملف مجدداً إلى دائرة الانتظار؟ وماذا يقول المسؤولون في هذا الإطار؟
تنفيذ الخطة مستمر… لكن بوتيرة أبطأ
أكدت بلدية طرابلس والهيئة العليا للإغاثة للـLBCI أن تنفيذ الخطة مستمر على الأرض، رغم تجدّد الحرب الإسرائيلية على لبنان وما ترتّب عنها من موجة نزوح امتدّت إلى مدينة طرابلس أيضاً.
وفي هذا الإطار، أكد عضو بلدية طرابلس ورئيس لجنة التنمية والتنسيق الدولية بلال حسين أن تنفيذ الخطة لا يزال مستمراً. وإذ أشار الى أن وتيرة إخلاء المباني باتت أبطأ من السابق بسبب الظروف الراهنة، لفت الى أن الكشوفات الهندسية مستمرّة وأن وزارة الشؤون الإجتماعية مستمرّة أيضا بالقيام بدورها على الأرض.
ومع تجدّد الحرب، عاد هاجس إهمال المدينة ليُقلق الأهالي التي أخلت منازلها، غير أن حسين كشف للـLBCI أن البلدية تلقت تطميناً من نائب رئيس الحكومة طارق متري خلال زيارته يوم السبت الماضي بأن الدولة مستمرة في القيام بواجبها.
وفي الوقت الذي كانت فيه بلدية طرابلس تحاول ضبط سوق الإيجارات، جاءت أزمة النزوح لتزيد الطلب على الشقق، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار. وقال: “بدل الإيواء كان مقبولا بعض الشيء قبل النزوح، إلا أننا كبلدية لا يمكننا التحكّم بهذا العامل، إذ إن سوق الإيجارات يخضع لقاعدة العرض والطلب”.
إخلاء 40 مبنى متصدعاً…
بحسب أرقام بلدية طرابلس، فإنه لغاية تاريخ 11 آذار، تمّ إخلاء 40 مبنى متصدعاً، فيما غادرت 481 عائلة هذه المباني.

وهنا، تبرز الأسئلة التالية: كيف تسير الأمور على الأرض؟ وكيف تم تقسيم المهام والمسؤوليات بين الجهات المختلفة لضمان التنفيذ الفعّال للخطة؟
في هذا السياق، يبرز الدور الميداني للبلدية، إذ تتولى توجيه إنذارات رسمية إلى السكان وتمنحهم مهلة 48 ساعة لإخلاء المبنى.
وقد أنشأت بلدية طرابلس خليتين للعمل الميداني. وأوضح رئيس بلدية طرابلس عبد الحميد كريمة أن الخلية الأولى تتولى متابعة الإخلاء النهائي للسكان عبر الشرطة. أما عن الخلية الثانية، فكشف عن تعاون مع نقابة المهندسين حيث تم تشكيل فريق من المهندسين يتولى إجراء كشوفات على المباني التي ترد بشأنها شكاوى أو تحوم حولها شكوك بوجود تصدعات فيها. ونتيجة هذه الكشوفات، تتخذ البلدية قرارا بالإخلاء أو عدمه.
وعن كيفية تحديد الـ114 مبنى التي شملتهم خطة الحكومة، أوضح كريمة للـLBCI أن هذه المباني حدّدت على أساس الشكاوى والمسح الأولي الذي قامت به بلدية طرابلس. وقال: “نحن نعلم أن الرقم أعلى بكثير وهناك شكاوى تردنا من المواطنين، وبعد الكشف تبيّن لنا وجود مشاكل أكبر وقد تكون أخطر”.
وفيما من المفترض، بعد مرور سنة، أن تكون المباني التي تحتاج إلى تدعيم قد أُنجزت أعمال صيانتها ليعود إليها المالكون والمستأجرون، إلا أن المشكلة تبرز في حال تقرر هدم المبنى. وهنا، أوضح كريمة أن المالك الذي يُهدم عقاره يصبح مالكًا لحصته في الأرض، وتُقسّم الأسهم بين المالكين في حال تعددهم، فيما يخرج المستأجر من المعادلة، ويتوجب عليه بعد مرور سنة استئجار مسكن جديد على نفقته الخاصة.
وبما أن تدعيم الأبنية المتصدّعة في مدينة طرابلس يتطلب تمويلاً كبيراً، أنشأت بلدية طرابلس صندوقاً طارئاً. وقد جرى إنشاء هذا الصندوق بصورة مستقلة عن الدولة، ووُضع في عهدة نقابة المهندسين، كما شُكِّلت ثلاث لجان لإدارته: لجنة حوكمة، ولجنة تمويل، ولجنة هندسية. وقد بلغ المبلغ المرصود في الصندوق نحو 289 ألف دولار.




