Categories: أخبار

رفع الكلفة.. سياسة اسرائيل الجديدة

تتجه الحرب بين إسرائيل ولبنان إلى مرحلة مختلفة عنوانها تضييق الخيارات وتبدل الأساليب. فبعد أسابيع من المواجهات والتجارب الميدانية، بات واضحاً أن الخيارات الإسرائيلية لم تعد مفتوحة كما كانت في بداية المواجهة، بل أصبحت أكثر محدودية وتعقيداً، خصوصاً مع الأثمان الكبيرة التي تكبدها الجيش الإسرائيلي خلال محاولاته البرية. هذه الأثمان، سواء على مستوى الخسائر البشرية أو تآكل الجهوزية القتالية، دفعت القيادة العسكرية إلى إعادة تقييم جدوى أي عملية برية واسعة.

في هذا السياق، برزت تصريحات متكررة من قادة عسكريين إسرائيليين تؤكد أن خيار العملية البرية الشاملة لم يعد مطروحاً بالشكل الذي كان متوقعاً سابقاً. فالتجربة الميدانية أظهرت أن أي اندفاعة واسعة داخل الأراضي اللبنانية تحمل مخاطر بنيوية على الجيش الإسرائيلي نفسه، من حيث القدرة على التحمل والاستمرارية، إضافة إلى المخاوف من الوقوع في استنزاف طويل ومكلف.

لذلك، يمكن القول إن التراجع عن فكرة العملية البرية الواسعة لم يعد مجرد تقدير سياسي، بل بات توجهاً عسكرياً مبنياً على معطيات ميدانية واضحة.

في المقابل، لم تتوقف سياسة الاغتيالات التي تعتمدها إسرائيل، إلا أن تأثيرها بات محدوداً نسبياً. فعلى الرغم من نجاح بعض العمليات في تحقيق أهداف تكتيكية، إلا أنها لم تتمكن من إحداث تغيير جذري في المعادلات القائمة. فالميدان أظهر أن هذه الاغتيالات، مهما بلغت دقتها، لا تستطيع وحدها فرض واقع جديد، ما يجعلها أداة ضمن أدوات متعددة، وليست خياراً حاسماً بحد ذاته.

من هنا، يظهر بوضوح أن التوجه الإسرائيلي بدأ يميل نحو استراتيجية مختلفة تقوم على رفع الكلفة بدلاً من الحسم السريع. وهذه الاستراتيجية تتجلى في زيادة وتيرة الاستهداف لمناطق ذات حساسية عالية، وعلى رأسها الضاحية الجنوبية، إضافة إلى توسيع نطاق تحذيرات الإخلاء في مناطق شمال الليطاني بشكل لافت. الهدف من ذلك ليس تحقيق مكاسب ميدانية مباشرة، بل خلق ضغط نفسي واجتماعي واسع من خلال زيادة حجم التهجير، ورفع مستوى الدمار، وتحميل البيئة الحاضنة أثماناً متزايدة.

هذا المسار يعكس تحولاً من محاولة الحسم العسكري إلى إدارة معركة استنزاف طويلة الأمد، تقوم على إنهاك الطرف الآخر ورفع كلفة بقائه في المواجهة. وفي ظل هذا الواقع، يبدو أن المرحلة المقبلة من الحرب ستعتمد بشكل أساسي على هذا النوع من الاستراتيجيات، أي توسيع دائرة الضغط ورفع منسوب التدمير والتهجير، باعتبارها أدوات بديلة عن العمليات البرية الواسعة.

إلا أن نجاح هذه المقاربة يبقى مرتبطاً بمدى قدرة الطرف المقابل على امتصاص الضغوط أو الرد عليها. فإذا تمكن الحزب من إيلام إسرائيل بشكل جدي وفرض أثمان مقابلة، فقد تتبدل الحسابات مجدداً وتدخل الحرب مرحلة مختلفة. أما إذا استمرت المعادلة الحالية، فمن المرجح أن نشهد تصعيداً تدريجياً يقوم على زيادة الكلفة والضغط، بدلاً من الذهاب إلى مواجهات برية شاملة.

المصدر: Lebanon24

News Desk

Share
Published by
News Desk

Recent Posts

اليونيفيل: الجيش الإسرائيليّ احتجز أحد جنودنا

احتجز الجيش الإسرائيليّ أحد جنود حفظ السلام التابعين لليونيفيل، بعد أن اعترض طريق قافلة لوجستية،…

20 دقيقة ago

ماذا كشف الحجار عن إمكانبة استهداف “المصنع”؟

أكد وزير الداخلية أحمد الحجار، خلال حديث تلفزيوني، أن "الوزارة والأجهزة الأمنية تقوم بكل الاجراءات…

32 دقيقة ago

“تحايل” على الوزارة للعلاج

أفاد مصدر طبي لـ"لبنان24" عن أنّ عددًا من المستشفيات اصطدم بحالات وبأشخاص لا يمتلكون هويات…

38 دقيقة ago

اختطاف أحد الاشخاص من بلدة عين ابل

أفادت مندوبة "لبنان24" عن قيام الجيش الاسرائيلي باختطاف أحد الاشخاص من بلدة عين ابل، مساء…

47 دقيقة ago

إدارة مخاطر الكوارث”: 138744 نازحا في مراكز الإيواء و1530 شهيدا و4812 جريحا

أعلنت "وحدة إدارة مخاطر الكوارث" في السرايا الحكومية في تقريرها اليومي، أن "العدد الإجمالي للنازحين…

59 دقيقة ago

“الوطني الحر”: حصرية السلاح وتحييد لبنان ركيزتان أساسيتان لإعادة إستنهاض الدولة

 عقد المجلس السياسي لـ"التيار الوطني الحر"، إجتماعه الدوري، اليوم، برئاسة النائب جبران باسيل، ناقش خلاله…

ساعة واحدة ago