هذا الدور لم يكن مجرد انعكاس لقرارات حكومية اتُخذت في الأيام الماضية، بل بدا امتدادًا لنهج تصاعدي في خطاب سلام، الذي اختار أن يرفع منسوب المواجهة مع الحزب في لحظة دقيقة وحساسة.
خطاب سلام الأخير حمل نبرة حادة وغير مسبوقة، ما وضعه عمليًا في موقع رأس الحربة في مواجهة حزب الله، في وقت بدا فيه رئيس الجمهورية أكثر ميلاً إلى التهدئة أو على الأقل إلى تجنّب الانخراط المباشر في السجال. هذا التباين في الأسلوب لا يعكس بالضرورة اختلافًا جذريًا في المواقف، بقدر ما يكشف عن اختلاف في الأولويات والحسابات السياسية في هذه المرحلة الدقيقة.
بحسب مصادر مطلعة، فإن رئيس الجمهورية جوزاف عون ينطلق من مقاربة مختلفة تقوم على أولوية فتح باب التفاوض، في محاولة لحماية عهده والحفاظ على استقرار الدولة. هذه المقاربة تدفعه إلى اعتماد خطاب أقل تصعيدًا، والتركيز على بناء مظلة سياسية تسمح بإطلاق مسار تفاوضي، حتى لو كان ذلك يتطلب قدرًا من المرونة في الخطاب والمواقف.
في هذا السياق، يعمل رئيس الجمهورية على إقناع رئيس مجلس النواب نبيه بري بلعب دور أساسي في تغطية أي مسار تفاوضي محتمل، والمشاركة فيه لضمان حد أدنى من التوافق الداخلي. فوجود بري، بما يمثله من ثقل سياسي وعلاقاته مع مختلف الأطراف، يُعد عنصرًا حاسمًا في تأمين شرعية داخلية لأي خطوة تفاوضية.
في المقابل، يبدو أن نواف سلام اختار مسارًا مختلفًا، أقرب إلى المواجهة السياسية المفتوحة مع حزب الله، مستفيدًا من الظرف الإقليمي والدولي الضاغط. هذا الخيار يعكس قناعة لدى سلام بأن لحظة المواجهة قد تكون فرصة لإعادة رسم التوازنات الداخلية، أو على الأقل لفرض معادلات جديدة في الحياة السياسية اللبنانية.
بين نهج التهدئة المدروسة الذي يعتمده رئيس الجمهورية، ونهج التصعيد الذي يقوده سلام، يقف لبنان أمام مفترق حساس. فإما أن تنجح مساعي التفاوض في فتح نافذة للخروج من الأزمة، أو أن يتكرّس مسار المواجهة بما يحمله من مخاطر على الاستقرار الداخلي في بلد يرزح أصلًا تحت أثقال أزمات متراكمة.

