مع اقتراب انتهاء ولاية قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) نهاية عام 2026، يدخل لبنان مرحلة سياسية وأمنية دقيقة تعيد طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل الجنوب، وآليات إدارة التوازنات الحساسة التي شكّلتها هذه القوة الدولية منذ عقود.
يأتي قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2790، الذي نصّ على تمديد مهمة “اليونيفيل” للمرة الأخيرة، ليشكّل محطة مفصلية في مسار العلاقة بين الأمم المتحدة ولبنان. فهذا القرار لا يبدو مجرد إجراء إداري أو تقني، بل يعكس تحولاً أوسع في مقاربة المجتمع الدولي للملف اللبناني، لا سيما في ما يتعلق بإدارة الوضع الأمني في الجنوب.
فعلى مدى السنوات الماضية، لعبت “اليونيفيل” دوراً محورياً في تثبيت الاستقرار ومنع الانزلاق نحو مواجهات أوسع، إضافة إلى دورها في التنسيق بين الأطراف المعنية. غير أن هذا الدور شهد تراجعاً عملياً منذ وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024، حيث برزت آلية جديدة قادتها الولايات المتحدة تحت مسمى “الميكانيزم”، لتتولى جزءاً أساسياً من مهام التنسيق والإشراف. وهذا التحول عكس إعادة توزيع للأدوار الدولية في لبنان، وطرح تساؤلات حول مدى تأثير انسحاب “اليونيفيل” الفعلي على الأرض، في مقابل تداعياته السياسية والاستراتيجية الأوسع.
في مقابل هذا المسار، برز موقف صيني لافت أمس عبّر عنه السفير فو كونغ، الذي دعا إلى إعادة النظر في قرار إنهاء تفويض “اليونيفيل”، محذراً من هشاشة الوضع الأمني في لبنان واستمرار الخروقات على الحدود الجنوبية.
هذا الموقف يعكس قلقاً داخل أروقة مجلس الأمن من أن يؤدي الانسحاب إلى فراغ أمني قبل توافر بدائل واضحة ومستقرة، ما يعيد فتح النقاش حول مستقبل دور الأمم المتحدة في إدارة النزاعات المنخفضة الحدة، خصوصاً في مناطق حساسة مثل جنوب لبنان.
على الصعيد الداخلي، تبدو الدولة أمام تحدٍ معقد يتمثل في تجنب أي فراغ أمني أو سياسي قد ينجم عن انتهاء مهمة “اليونيفيل”. وفي هذا السياق، تسعى إلى الحفاظ على مظلة دعم دولية، ويفضل أن تكون أممية، بما يتيح تقاسم الأعباء في الملفات الأكثر حساسية، وفي مقدمتها مسألة السلاح خارج إطار الدولة.
غير أن هذا المسار يبقى مرتبطاً بشكل وثيق بالتوازنات الدولية، ولا سيما الموقف الأميركي، ما يحدّ من هامش الحركة اللبنانية ويجعل الخيارات المطروحة خاضعة لمعادلات خارجية معقدة أكثر مما هي قرارات داخلية خالصة.
في خضم هذا المشهد، تتقدم فرنسا لتلعب دوراً محورياً في إعادة صياغة النقاش داخل مجلس الأمن، مستفيدة من موقعها كحاملة القلم في الملف اللبناني. الطروحات الفرنسية تتجه نحو البحث في نماذج أكثر مرونة من قوات حفظ السلام التقليدية، قد تشمل تشكيل قوة أوروبية تعمل بتنسيق دولي، وبصلاحيات تنفيذية أوسع من النموذج الحالي.
لكن هذه المبادرات تبقى مشروطة بتقاطع مصالح أطراف أساسية: الولايات المتحدة، إسرائيل، إضافة إلى مدى استعداد الدول الأوروبية لتحمّل أعباء سياسية وميدانية إضافية في بيئة إقليمية شديدة التعقيد.
وفي هذا الإطار، تم الحديث عن زيارة كان من المفترض أن يقوم بها إلى بيروت وزير الخارجية الفرنسية جان-نويل بارو، إلا أن الزيارة أُلغيت راهناً لأسباب فرنسية. ومع ذلك، تشير المعطيات إلى أن باريس ستتقدم بمقترح جديد خلال الأسبوع المقبل حول تشكيل قوة أوروبية دولية، من دون أن يرتبط الطرح الفرنسي بوقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، بل بمسار إعادة هيكلة أوسع لدور الأمم المتحدة في الجنوب.
في سياق متصل، برزت إشارات دبلوماسية فرنسية خلال لقاءات مع مسؤولين لبنانيين، حيث تم التشديد على أهمية عدم الذهاب إلى أي مفاوضات مع إسرائيل من دون إشراف دولي. هذا الطرح يعكس محاولة فرنسية لضبط إطار التفاوض ومنع انزلاقه إلى مسارات ثنائية غير مضبوطة دولياً، حيث قال السفير الفرنسي هيرفيه ماغرو لمن التقاه من المسؤولين: فرنسا تدعم مسار المفاوضات لكن يجب ان لا تذهبوا إلى مفاوضات من دون راعٍ دولي، لأن الإسرائيلي يلتهمهم”، إلا أن الجانب اللبناني المعني بالتفاوض أبلغ السفير الفرنسي أن لا هامش للمناورة بفعل الضغوط الخارجية.
ويشار في هذا السياق إلى أن ما تم تثبيته سابقاً في إطار “الميكانيزم” عبر إصرار رئيس مجلس النواب نبيه بري على إشراك ضابط فرنسي، لم يعد قابلاً للاستنساخ بسهولة في المرحلة المقبلة، نظراً لاختلاف طبيعة إدارة الملف بين المستويات السياسية اللبنانية المختلفة، فملف التفاوض اليوم لم يعد يمسك به الرئيس بري، إنما أصبح في يد رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام والظروف أصبحت أكثر تعقيداً.
ورغم التقديرات التي تشير إلى صعوبة تبنّي المقترح الفرنسي في صيغته الحالية، سواء بسبب التحفظ الإسرائيلي على الدور الفرنسي أو التردد الأميركي، إلا أن مصادر دبلوماسية فرنسية ترى أن الحكم النهائي ما زال مبكراً، وأن مسار التوازنات الإقليمية والدولية لا يزال في حالة حركة. فالمهلة الفاصلة عن انتهاء ولاية “اليونيفيل” تمتد حتى نهاية العام الحالي، وهي فترة تُعتبر كافية لإعادة تشكيل بعض المعطيات، خصوصاً في ظل استحقاقات سياسية كبرى، من بينها انتخابات في إسرائيل، انتخابات نصفية في الولايات المتحدة، إضافة إلى تطورات إقليمية متعددة لا سيما منها مفاوضات إسلام آباد وما ستخلص إليه من تفاهمات بين الأميركي والإيراني.
هذه العناصر مجتمعة تجعل من ملف الجنوب ملفاً مفتوحاً على احتمالات متعددة، لا يمكن حسمها بشكل نهائي في هذه المرحلة، بل تبقى مرهونة بتقاطع التحولات الدولية والإقليمية في الأشهر المقبلة.
وبين انسحاب تدريجي لقوة أممية، ومحاولات دولية وأوروبية لإعادة ابتكار آليات جديدة لإدارة الأمن في الجنوب، يجد لبنان نفسه أمام مرحلة انتقالية حساسة. مرحلة لا تتعلق فقط بتبدّل قوات أو أطر تقنية، بل بإعادة رسم التوازنات التي ستحدد شكل المرحلة المقبلة في واحدة من أكثر المناطق تعقيداً في المنطقة.
المصدر: Lebanon24