بدأت الاستعدادات للجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية في 22 حزيران في واشنطن، على وقع التسابق مع مؤشرات تصعيد ميداني واسع. وفي هذا السياق اطّلع رئيس الجمهورية جوزف عون أمس من رئيس الوفد المفاوض في واشنطن السفير سيمون كرم، على أجواء الجلسة الأخيرة للمفاوضات مع الجانب الإسرائيلي في الخارجية الأميركية، والتحضيرات الجارية لانعقاد الجلسة المقبلة.
والتقى السفير كرم ايضا رئيس الحكومة نواف سلام ، حيث تم تقييم الجولة الرابعة من المفاوضات ونتائجها، والبحث في التحضير للجولة المقبلة في ضوء التطورات الراهنة، وضرورة تثبيت وقف إطلاق النار، والانطلاق إلى المناطق التجريبية وانتشار الجيش فيها وعودة الأهالي، في سياق تحقيق انسحاب إسرائيل إلى الحدود الدولية المعترف بها.
وعرض الرئيس عون لوفد من النواب الفرنسيين والأوروبيين المعطيات المتوافرة حول مسار المفاوضات اللبنانية- الأميركية- الإسرائيلية في واشنطن، و”الثوابت التي يلتزمها الوفد اللبناني المفاوض للوصول إلى إنهاء حالة العداء مع إسرائيل بعد انسحاب جيشها من الأراضي اللبنانية المحتلة وإعادة الاسرى وعدم عرقلة انتشار الجيش اللبناني حتى الحدود المعترف بها دوليا”. وأشار إلى أن “انسحاب إسرائيل يمكّن لبنان من بسط سلطته وإنهاء المظاهر المسلحة وسحب أي مبرر لبقاء سلاح غير سلاح السلطة الشرعية وقواها المسلحة”. ولفت إلى “أهمية اعتماد مقاربة سياسية وعسكرية واقتصادية واجتماعية لمسألة سحب سلاح “حزب الله” بهدف المحافظة على الاستقرار السياسي والأمني والاجتماعي في البلاد”.
وكتبت” الاخبار”: لم تمضِ ساعات على الردّ الإيراني على العدوان الإسرائيلي الذي استهدف الضاحية الجنوبية لبيروت وجنوب لبنان، حتى بدأت بعض تداعياته السياسية تظهر بوضوح. داخلياً، برزت مؤشرات سياسية لافتة عكست إدراكاً متزايداً لاستحالة فرض وقائع أحادية الجانب تحت وطأة الضغط العسكري.
وتجلّى ذلك في مقاربة مستجدة لرئيس الجمهورية جوزيف عون، الذي تبنّى خطاباً حازماً في ما يتعلق بحصرية السلاح بيد الدولة، قبل أن يعود إلى اعتماد مقاربة أكثر حذراً وواقعية، تربط معالجة هذا الملف بسلسلة من الشروط السياسية والأمنية تبدأ بوقف الاعتداءات الإسرائيلية والانسحاب من الأراضي اللبنانية، ولا تنتهي بإعادة الإعمار واستعادة الاستقرار وعودة النازحين إلى مناطقهم.
فقد أشار رئيس الجمهورية خلال استقباله أمس وفداً من النواب في البرلمانين الفرنسي والأوروبي (من المناهضين للسياسات الإسرائيلية) إلى أن انسحاب إسرائيل يفتح الباب أمام بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، وإنهاء المظاهر المسلحة، وسحب أي مبرر لبقاء سلاح خارج إطار الشرعية الرسمية، وهو ما عُدّ تراجعاً عن سقوف سياسية كانت مطروحة سابقاً، وانتقالاً من منطق المواجهة المباشرة مع الملف إلى منطق الإدارة التدريجية له ضمن تسوية أوسع. فيما أشارت تسريبات إلى رغبة عون في فتح قنوات اتصال جديدة مع إيران، انطلاقاً من مقاربة مفادها أن لبنان لا يمانع في التعاون مع إيران أو الاستفادة من دورها، على أن تكون هذه الاتصالات مباشرة مع الدولة اللبنانية لا عبر حزب الله.
اضافت” الاخبار”: لا تبدو واشنطن وكأنها تتحرك بمنطق الساعي إلى اتفاق، بقدر ما تعمل على استثمار المسار العسكري القائم لتكريس فصل المسارات وفكّ الارتباط بين الملفين اللبناني والإيراني، ليس فقط في ما يتعلق بوقف إطلاق النار، وإنما في ما خص شكل الجنوب في مرحلة ما بعد الحرب، ودور الجيش اللبناني، وآليات الانسحاب الإسرائيلي، ومستقبل البنية العسكرية للحزب.
لذلك، تبدو المفاوضات الجارية أعمق بكثير من مجرد بحث في هدنة أو ترتيبات أمنية مؤقتة. فهي تدور، في جوهرها، حول الجهة التي ستملك حق رسم معالم المرحلة المقبلة في الجنوب اللبناني، وحول طبيعة التوازن الذي سيحكم العلاقة بين الدولة اللبنانية والمقاومة، والضمانات الدولية والإسرائيلية. وفي هذا الإطار، قالت مصادر مطلعة لـ«الأخبار» إن «لا تباين فعلياً بين الرؤية الأميركية والرؤية الإسرائيلية، إذ يسعى الطرفان إلى فرض مسار متزامن يجمع بين الإجراءات الأمنية والتسوية السياسية، واستثمار التفوق العسكري والضغط الميداني للحصول على أكبر قدر ممكن من الضمانات المسبقة قبل تقديم أي تنازل». وأضافت أن «كل المعطيات المتوافرة لدى المسؤولين اللبنانيين تشير إلى أن واشنطن لا تمارس ضغطاً حقيقياً على إسرائيل، ولا تبدو راغبة أصلاً في القيام بذلك»، ولا سيما بعد عودة العامل الإيراني ليتصدر المشهد بقوة.