إن جوهر المنطق الإلهي يتوجه للشعوب بأنه لا يجوز أن نسكت عن قتل الأوطان، أو تقديمها كصفقة لصالح قوى الشر، ومن يفعل ذلك إنما يرتكب أسوأ أنواع الخيانات في حق وطنه وناسه”.
واعتبر المفتي قبلان “أن “خيانة القيم والمبادئ الأخلاقية هي الأخطر لأنها أساس ركيزة الوطن، وعماد هويته، ويلزم على ذلك بالمنطق الوطني حرمة تمكين أي فريق أن ينال من مصالح بلده السيادية والوطنية”. مضيفا :” خلاصة الموقف تقول: السلطة التي لا أهلية وطنية أو أخلاقية أو سياسية لها، لا يمكن ائتمانها على وطن المعاهدة أو أي ملفات داخلية أو خارجية” وقال :”وبنية الموقف الإلهي هنا تنتهي إلى حقيقة جذرية مفادها أن الأوطان ملك القيم والمبادئ والمفاهيم التي تضمن الهوية الأخلاقية للإنسان، ومشروع حياته المدنية والمجتمعية، وبالتالي السلطة المشروعة هنا تدور مدار هذه الهوية الأخلاقية وما يلزم عليها من نظم ضامنة”.
وأكّد أن “السلطة التي تخون مواثيقها وهوية ركائزها الأخلاقية تسقط، ويجب إسقاطها، ولا يجوز أن نمكّنها. واللحظة الوطنية في هذا البلد تضعنا أمام هذه الحقيقة، لأن واشنطن بكل ما تمثّله من استبداد وقهر دولي بقيت تعمل طيلة قرون لإنتاج طواقم سياسية وأمنية واقتصادية وإعلامية واجتماعية بمختلف بلدان العالم لتمكنهم من السيطرة على مقاليد السلطة السياسية والمالية والإعلامية والاجتماعية وغيرها، بهدف خدمة مصالحها التي تقوم على النهب والاستبداد وخيانة مصالح الأوطان. وحتماً لبنان ليس استثناءً في هذه الخرائط، بل على العكس قد يكون أولوية أساسية في لوائح واشنطن وتل أبيب وأوروبا فضلاً عن المجموعة الإقليمية التي تخدم واشنطن بطريقة عمياء”.
وأشار إلى أن “الضرورة الأخلاقية والوطنية تضعنا في قلب مسؤولية الدفاع عن هوية لبنان، وبمقدار ما يخدم مصالح العائلة اللبنانية، وليس مصالح الكيان الصهيوني الإرهابي، وقوله سبحانه وتعالى (الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ) يعني أن نكون على حذر شديد من الطواقم التي تحتكر السلطة، لأن بعضها يخون الأرض والدم والتاريخ والتضحيات وهوية بلده وناسه، وما أكثرهم في هذا العالم”.
وأكد أن “جوهر القضية بالنسبة لنا، كيف نحمي بلادنا وناسنا من الخيانة والسقوط. والمسؤولية هنا تطال كل مكونات الشعب وقواه النافذة بخلفية حماية مواثيق بلدها ومصالحه السيادية والوطنية. وهنا تكمن لعبة المواقف والشعارات ومشاريع التزييف التي تخدم وظيفة الخيانة الداخلية لصالح الخارج المستبد”.
وشدّد المفتي قبلان على “أن ما يهمنا من كل هذا الواقع هو لبنان، لأننا ما زلنا للأسف نعيش أزمة السلطة وخياراتها الفاسدة منذ الأيام الأولى لنشأة بلدنا الذي تمّ تكوينه ليخدم مصالح أوروبا والغرب وليخدم مصالح واشنطن وتل أبيب، وما يلزم من مشاريع إقليمية ودولية تصب في مصالح واشنطن وبرامج طغيانها، ولا شيء أهم من الدفاع عن لبنان، وخاصة في سوق البيع والشراء العفن، الذي تمتهنه سلطات الوكالات الخارجية المختلفة. والمصالح الوطنية واضحة، وصفقات الخيانة واضحة، خاصة أن طواقم السلطة السياسية في هذا البلد بقيت تتخلى منذ عشرات السنين عن وظائفها السيادية ومصالحها الوطنية لحساب واشنطن على حساب مصالح لبنان، لدرجة أنها تحولت زمن الاحتلال الإسرائيلي للعاصمة بيروت إلى وظيفة صهيونية كاملة، ولولا المقاومة وانتفاضة 6 شباط لأصبح لبنان مستعمرة صهيونية كاملة، والخطير بعض الجماعات تاريخياً كانت صريحة بدور وظيفتها وعمالتها لصالح تل أبيب. والمؤسف أن طبيعة مواقفها الآن تصب في هذا الخيار، والملفت أيضاً أن سلطة الانتداب الأمريكي الجديد لهذا البلد تعيد توظيف نفسها لخدمة الأولويات الأمريكية ومصالحها على حساب مصالح لبنان الوطنية والسيادية. والمفارقة أن الضغط الأمريكي الهائل الذي دفع نحو انتخاب وتأليف سلطة سياسية لبنانية جديدة بعد حرب الطوفان حوّل الطاقم السياسي الجديد إلى وظيفة أمريكية تتعارض بشدة مع مصالح لبنان وطبيعة ما يحتاجه استقلال هذا الكيان الوطني، وهنا تكمن كوارث الخيارات السياسية”.
وتابع:”في هذا السياق الخطير، تخلّت السلطة الجديدة عن الجنوب والبقاع والضاحية وما يلزم من مصالح سيادية ووطنية ومارست أسوأ أنواع الخنق والقمع والحصار لهذه المناطق وبيئتها بهدف الخلاص من نواة القوة الوطنية الضامنة لسيادة لبنان والتي تتعارض بشدّة مع مصالح تل أبيب. ومع أخطر موجات الدمار والتجريف والغارات والاغتيالات التي طالت لبنان وشبابه زمن وقف النار الأول لم يكن هناك همّ للسلطة إلا الخلاص من المقاومة وبيئتها وضرب كل خطوط القوة التي تدعم وتساند جبهة الجنوب”.
ولفت إلى أن “خيارات السلطة كانت واضحة في هذا المجال، ولا ينكرها إلا أعمى البصر والبصيرة، نعم فقط الجيش اللبناني أصرّ على وطنيته وناضل بكل ما يستطيع أن يمنع هذه اللعبة الخطيرة وليحمي لبنان وهو نفس الموقف المعيب الذي تمسّكت به السلطة في هذه الحرب وظلت عليه، فيما الجيش اللبناني كافح جنباً إلى جنب مع المقاومة ليقوم بما يلزم عليه من خدمة وطنه ومنع الفتنة وكسر المشروع الخطير للسلطة التي تصرّ على تقديم مصالح الغرب على مصالح لبنان الوطنية”.
وأضاف المفتي قبلان:”اليوم، وبحمد الله خرج لبنان وسيخرج لبنان بفضل مقاومته وشعبه وجيشه قوياً من أعتى حرب مصيرية، وهي حرب لا سابق لها في الشرق الأوسط، وقد انتهت بخسارة واضحة لمشاريع وأهداف أمريكا وإسرائيل التي كانت مصممة لابتلاع الشرق الأوسط كلّه. وبدلاً من أن تتحوّل السلطة اللبنانية إلى قوة وطنية إلى جانب المقاومة والجيش والشعب نراها بالعكس سارعت إلى نجدة مشاريع واشنطن، كي تمنع أكبر نصر وصمود وطني في تاريخ الشرق الأوسط”.
وطالب المفتي قبلان “جماعة السلطة بالتفكير ألف مرة قبل أن يتخذوا خياراتهم، ونحن اليوم في زمن قوة لبنان وتعاظم قدرات المقاومة الأسطورة. واليوم غير الأمس، اليوم المقاومة متجذّرة على الحافة الأمامية للبنان، سيما في الخيام وبنت جبيل وباقي مناطق الحافة الأمامية، ولا محل في هذا البلد لأي نوع من أنواع الخيانة السيادية. وزمن السكوت انتهى ولا محل له، لأن اللحظة هي للدفاع عن لبنان، وليس لتسليمه، ولا شيء فوق حماية لبنان وضمان سيادته الوطنية، ولعبة المواقف الزائفة مكشوفة، وبكاء السلطة بكاء من أجل تل أبيب لا من أجل لبنان”.
وختم المفتي قبلان :”لن نسمح ببيع لبنان تحت أي غطاء بل سنحمي القرار الوطني من أي مغامرة مجنونة تطال صميم المصالح السيادية لهذا الوطن العزيز، ولا وصية فوق وصية حماية لبنان وسيادته وقراره الحر وسلمه الأهلي وشراكته الإسلامية – المسيحية، وما يلزم للنهوض الوطني بمصالح لبنان المحلية والإقليمية”.

