Categories: أخبار

قبل “سايكس بيكو” وقبل إسرائيل… كان “جبل عامل”

تخيل سحابة كثيفة من الدخان الأسود تطير عبر الزمن؛ تنطلق من أواخر القرن الثامن عشر، من دفاتر محترقة ومكتبات عامرة التهمتها نيران أحمد باشا “الجزار”، لتلتحم اليوم بغبار الغارات وصوت الطائرات المسيرة فوق التلال ذاتها.

نحن هنا في جبل عامل، الرقعة الجغرافية التي تمتد بكبرياء من مشارف صيدا حتى تخوم فلسطين، ومن زرقة المتوسط إلى جبال مرجعيون والبقاع. هنا، لا تقاس الأرض بالخرائط الإدارية التي ترسمها الدول وتغيرها الحروب، بل بالذاكرة المطبوعة في الصخر وأشجار الزيتون التي شهدت عبور الفاتحين واحداً تلو الآخر.

بدأت الحكاية منذ قرون، عندما قرر هذا الجبل ألّا يكون مجرد ريف منسي على هامش السلطنة العثمانية. تحول إلى منارة للعلم، تخرّج من قراه وبساتينه كبار الفقهاء والأدباء، وعاش في نوع من الاستقلال الذاتي المحمي بوعورة تضاريسه وعناد أهله.

 لكن هذا التميز كان لعنة برسم الغزاة؛ فجاء “الجزار” بجيوشه وجبروته، محاولاً كسر شوكة الجبل عبر سياسة الأرض المحروقة، وظن أن حرق الكتب وتدمير الحواضر سيمحو الهوية. غير أن ما حدث كان العكس تماماً؛ انغرس الرفض في وجدان الإنسان العاملي كجين متوارث، وصار الصمود عقيدة أرض.

دارت عجلة الزمن دورة كاملة، وتبدلت الترسانات؛ اختفى سيف “الجزار” ومدافعه التقليدية، ليحل محلها اليوم صخب الحرب الإسرائيلية المعاصرة بصواريخها الذكية وأحزمتها النارية.

المفارقة هنا تكاد تكون سينمائية؛ فالقرى ذاتها التي قاومت قديماً -بنت جبيل، النبطية، الناقورة، والخيام- تعيش اليوم فصلاً جديداً من المحاولة ذاتها: قصف ممنهج، وتهجير قسري، وسعي دؤوب لكسر هذه الحاضنة الشعبية.

تأمل معي “قلعة الشقيف” الرابضة كحارس أبدي فوق شاهق صخري يطل على التاريخ والجغرافيا معاً. على أسوار هذه القلعة، رُفعت ونُكست رايات الصليبيين، والمماليك، والعثمانيين، وفي العصر الحديث، تحولت إلى نقطة ارتكاز في الصراع الحالي.

عندما تشتعل النيران حول تلال الشقيف اليوم، تشعر وكأن القلعة تتنفس تاريخها من جديد، شاهدة على أن من يسيطر على هذه المرتفعات يمسك بزمام النفوذ، لكنه لا يمسك أبداً بروح الأرض.

 وعلى مقربة منها، يتدفق نهر الليطاني، الشريان الذي لم يكن يوماً مجرد مجرى مائي، بل خط أمان تتقاطع عنده اليوم أعقد الحسابات الإقليمية، من طهران وواشنطن إلى غزة وتل أبيب.

اليوم، وبينما يغادر الأهالي بيوتهم قسراً تحت وطأة الغارات، لا ينظر العاملي إلى هذه الحرب كحدث طارئ، بل يقرأها كصفحة جديدة في كتاب قديم يعلم تفاصيله جيداً.

في الخطاب الإعلامي المعاصر، يُختصر المكان بكلمة “الجنوب” كصندوق بريد سياسي أو ساحة لتصفية الحسابات؛ أما في الوجدان المحلي، فاسمه “جبل عامل”.

هو الفضاء الذي يثبت مع كل قذيفة تنهمر فوق ترابه، أن الدول والأنظمة والحدود تتغير وتزول، بينما يبقى الجبل ثابتاً في قلب الأحداث.. صانعاً للتاريخ، وعصياً على النسيان.

المصدر: Lebanon24

News Desk

Share
Published by
News Desk

Recent Posts

الحرارة ستنخفض… كيف سيكون الطقس يوم غدّ؟

أفادت دائرة التقديرات في مصلحة الأرصاد الجوية، أنّ طقساً ربيعيّاً مستقرّاً يُسيطر على لبنان والحوض…

5 دقائق ago

مصادر دبلوماسية: لبنان متمسّك بفصل مسار التفاوض عن إيران وواشنطن تتعامل حصراً مع الدولة اللبنانية

اكدت مصادر دبلوماسية ان لبنان يتمسك بفصل مساره التفاوضي عن مسار التفاوض الايراني وهو توجّه…

32 دقيقة ago

باسيل في ذكرى مجزرة إهدن: نجدد رفضنا للعنف والاغتيال السياسي والاقتتال

كتب رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل عبر حسابه على "اكس":    "في ذكرى…

43 دقيقة ago

سينودس الأساقفة الموارنة اختتم أعماله ودعا إلى الالتفاف حول الدولة وتأييدها في المفاوضات

التأم سينودس أساقفة الكنيسة المارونية في دورته العادية من 3 إلى 13 حزيران 2026 في…

ساعتين ago

السفارة الايرانية ترد على رجي: كن واقعياً

كتبت السفارة الايرانية عير حسابها على منصة "إكس": ‏"يا سيد يوسف رجي، لا تكن مشتبها…

ساعتين ago

فلسطين حاضرة في الافتتاح الكندي للمونديال

خطفت المغنّية الفلسطينية التشيلية إليانا الأنظار خلال حفل افتتاح كأس العالم في كندا، بعدما ظهرت…

ساعتين ago